الأغنية الشعبية الفلسطينية.. تُراث عجز الاحتلال عن طمسه

حجم الخط
آية.jpg
القدس-إيمان شبير - وكالة سند للأنباء

بشعرها "الكيرلي" الذي تشرق الشمس من بين خصلاته البُنّية، تقف بين أزقةِ القدس العتيقة، وشوارعها الصغيرة بلباسٍ أسودَ مزخرفٍ بقطعةٍ حمراء اللون على شكل "خارطة فلسطين"، لتصدحُ بصوتها الندي ألحانًا جميلةً "وعهد الله ما نرحل، عهد الله نجوع نموت ولا نرحل، عهد الثورة والثوار، وإحنا قطعة من هالأرض، وعُمر الأرض وعهد الله ما بنرحل".
   
هذا المشهد معتاد في الآونة الأخيرة لدى الفنانة الفلسطينية آية خلف، مرتديةً ثوبها المُطرز برفقة صديقاتها والسيدات الفلسطينيات، ثم تنطلق بصوتها الجميل واصفةً بألحانها أصل التراث الفلسطيني، "ذَهَبْ ما بَدي ذهَب ولا أنا لباسة ذهب، بدي علم فلسطين يرفرف على سجن النقب، ومنديل ما بَدي مَنديل ولا أنا بلبس منديل، بدي علم فلسطين يرفرف وسط الخليل". 

وبينما كانت تتنقل من لحنٍ إلى آخر ببساطتها وملامحها الفلسطينية الجميلة، غرّدت بحروفٍ فلسطينيةٍ عالمية، تحمل خلالها معانِ الإرث والتاريخ الفلسطيني "يا ظريف الطول وقف تقولك، رايح عالغربة وبلادك أحسنلك، خايف يالمحبوب تروح وتتملك، وتعاشر الغير وتنساني أنا". 

وفي هذا التقرير استمعت "وكالة سند للأنباء" إلى ترانيمِ تراثيةٍ شعبيةٍ فلسطينية، حافظت على بقاءِ الأغنية وهويتها رغم كل محاولات التحريف والتشويه.

"ذاكرة الفلسطيني.. لا تخون"

تتميز الأغنية التراثية الفلسطينية بطقوسٍ شعبيةٍ خاصة، وتُعد أحد عناصر التراث الثقافي الفلسطيني العريق.

وتسرد الفنانة آية خلف رحلة البدايات مع الغناء قائلةً: "أنا أنتمي للأغنيات التراثية الفلسطينية، وتشبعت منذ صغري بالفلكلور الفلسطيني من نساء قريتي "جت" في مثلث النقب المحتل"، مشيرةً بامتنان إلى صوت والدتها الذي كان بمثابة البذرة الحقيقية في تعليمها الأغنيات واللكنة الفلسطينية الفلاحية.

وتضيف "خلف" لـ "وكالة سند للأنباء"، صوتُ النساء الفلسطينيات تُميّزه اللكنة الفلاحية في لفظِ الكلمات، مُردفةً أنها أبحرت في أنواع الموسيقى المختلفة بعد دراستها "التربية الموسيقية"، وتشبّعت بالحالةِ الشعوريةِ عند النساء اللاتي يتجاوز عمرهن الـ 70 عامًا في ترديدهن للأغنيات والتهليلة الفلسطينية التي تُغنى للطفل قبل نومه " يلا تنام يلا تنام وأهديلك طير الحمام، روح يا حمام لا تصدق بغنيله حتى ينام".

وتستطرد بنبرةٍ حانية، "ذاكرة الفلسطيني لا تخونه أبدًا، فأكثر ما يُميّز أهل فلسطين، وتحديدًا النساء هو حفظهم للأغاني التراثية الشعبية، لافتةً إلى الانتشار الواسع لهذه الكلمات الثورية الوطنية " جفرا ويا هالرّبع، ربع المراتينِ، شلاّل ينبع نبع، دمّ الفلسطيني"، فقد حضرت شخصية "جفرا" في كثير من المناسبات الوطنية والاجتماعية".

وتصف "خلف" تجاعيد النساء الفلسطينيات، "أنا أحبّ توثيق تجاعيد النساء اللاتي يكبرن بالعمرِ، فالتجاعيد مرآة حقيقية للمعاناة البارزة على ملامحهم، موضحةً أن كل تجعيده تُجسّد أرواحهم تفيض بنظراتِ الشقاء التي عاشوها مع كُلِّ أغنية يرددونها".

وفي سؤالنا "ما شعورك وأنتِ ترددين الأغاني التراثية القديمة"، بعد ابتسامةٍ صافية أجابت بلهجتها الفلسطينية، "إيييه والله بترد روحي بس أقعد مع الحجات، وأتمتّع بجمالهم وتفاصيلهم، شعوري ما بقدر أوصفه؛ لأنه فوق الوصف".

"التعليلة الفلسطينية"

تهليلة.jpg

 

قالت السمرا واحنا الهرايس "حلوى".. واحنا المحارم بايد العرايس

وقالت البيضا وأنا المرايي "المرآة".. وأكبر متوظف بيجي تلاييي "عندي"

تتميز الأعراس الفلسطينية بـ "التعليلة" وهي أيام غنائية تسبق حفل الزفاف النهائي، فتُغني النساء بداية السهرة للعريس وأمه ثم تغني للعروس مقاطع أخرى، وفي نهاية "التعليلة" يُرددن النساء بأغنيات "دلعونا" و"زريف الطول" و"العتابا".

حليمة الجلال واحدة من السيدات الرائدات في توثيق الأغنية الشعبية الفلسطينية، تقول "أنا تعلمت غناء التعليلة ودق الطبلة منذ عمر الشباب، وحفظت الكثير من الأغنيات عبر السنوات"، مُضيفةً أنها أصبحت تذهب للأعراس الفلسطينية؛ لإحياءِ ليلة ما قبل الزفاف بالتعليلات التراثية.

وتؤكد "الجلال" لـ "وكالة سند للأنباء"، أنَّ تسجيل وتوثيق الأغنية التراثية، هو استمرارية تاريخية لمكونات الهوية الثقافية الفلسطينية؛ موضحةً أن سبب انتشارها الواسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي هو ظهورها في كافةِ الأعراس الفلسطينية النسائية، وأصبحت مقاطع الأغنيات تتناقل بشكلٍ كبير، وهذا ما عزز وجود الأغنية التراثية".

وترى "الجلال"، أن أثمن ما يمكن أن يقدّمه شخص لآخر هو إهداؤه مدونة مليئة بالأغنيات التراثية الفلسطينية، بالإضافةِ إلى كل ما يتعلق بالإرث التاريخي الفلسطيني المتمثل بالكوفية والثوب".

"الجمال الفلسطيني"

يقول المتخصص في التاريخ الفلسطيني ناصر اليافوي، إن أبرز ما يُميّز الأغنية التراثية الفلسطينية أنها تختلف عن باقي الأغنيات العربية؛ لأنها تُحاكِ كافة الظواهر الطبيعية والكونية المتواجدة في أرض فلسطين منذ زمن الكنعانيين حتى يومنا هذا".

ويُردف "اليافوي" لِـ "وكالة سند للأنباء"، أن الغوص في بحور الأغنية الفلسطينية، يجعلنا نجد بها ما يحدثنا عن بيادر القمح، والخيل والجمال والثوب الفلسطيني، كما أنها خاطبت الجمال والطبيعة وربيع فلسطين الجميل".

 وتُعتبر الأغنية الفلسطينية بمثابة كل متكامل، يُحاكي الأبعاد المادية والمعنوية، موضحًا أنها تُخاطب بحر فلسطين، ولون بشرة المرأة الفلسطينية الساحرية اللون "الخمري"، وفقًا لـ "اليافاوي".

ويُكمل "اليافوي"، أن معظم الحلقات الفلسطينية التي كانت تحاكي الشعر الفلسطيني اتخذت أبعادًا أخرى لها علاقة بمقاومة الاحتلالات التي جاءت على فلسطين عبر التاريخ الفلسطيني". 

"الدحية الفلسطينية"

"الدحيّة" تُؤدَى بشكل جماعي من خلال اصطفاف الرجال في صفٍّ واحد أو صفين متقابلين، ويغني شخص أو اثنان بكلمات بدوية تراثية، فيما يُصفق الرجال بجانبه، ويردد الصفان بالتناوب، وشهدت الأفراح في فلسطين، وجود "الدحيّة البدوية"، وأصبح لا يمر فرح أو مناسبة إلا وكانت الدحيّة حاضرة، وهذا يدل على التمسك بالتراث والأصالة الفلسطينية.

يستطرد "اليافاوي"، أن الأغنية الفلسطينية امتزجت بالدحية القديمة والسامر الفلسطيني، فالدحية أصبحت لها رونقًا خاصًا، مُردفًا أن "الدحية" كانت امتدادًا عن رفض الظلم لأي احتلالات وخاصة على الشرف الفلسطيني".

أما السامر الفلسطيني، يبدأ في "العتابا" و "الأوف"، "الميجانا"، وهذه الأغنيات التي ميّزت الأغنية والدبكة الشعبية الفلسطينية بين الشعوب العربية، مُعتبرًا "اليافاوي"، أن "السامر" واحدًا من أهم القوالب اللحنية المعروفة في الأفراح والتي كانت مُتداولة على نطاق واسع في فلسطين".

ويُشير "اليافاوي" إلى أن أغنية "ظريف الطول" هي الأغنية الفلسطينية الأشهر في الأغنيات الفلسطينية والتي قُدمت للتراث العربي بل التراث الإسلامي، وتُحاكِ شخصية البطل المقاوم المتمثل بشخصية "ظريف الطول".

"التراث الشفوي"

يُنوه "اليافاوي"، إلى أن تاريخ التراث الشفوي هو فكرة قديمة جدًّا منذ عصر النحت الأول، ومعظم قرى فلسطين الجنوبية والشمالية كانت تعتمد في أغنياتها على "التراث الشفوي"؛ بسبب غياب الكتابة آنذاك، فخرج بعض من المؤخرين الفلسطينيين، وبدأوا بتدوين الأغنيات التراثية وحفظها من الضياع".

ويرى "ضيف سند"، أنه يُمكن حفظ التراث الفلسطيني من خلال إنشاء مركز كبير وطني وقومي فلسطيني يجمع التراث؛ خوفًا من موت الرجل الفلسطيني المُسن وتموت معه الرواية الفلسطينية، لافتًا إلى أن ثمة محاولات فردية وغير منظمة تحتاج إلى رعاية مؤسساتية رسمية؛ لحفظ التراث الفلسطيني من الاندثار".

ويوجه صرخة "يافاوي" للعالم، "أن فلسطين لا تُعاني صراعًا دينيًّا فقط، وإنما ثمة صراع حضاري وثقافي، مُستنكرًا أن القرصنة والسرقة باتت حتى في أبسط الأغاني الفلسطينية، معبِّرًا بعبارةٍ "فلتنقذوا تراثنا وأغانينا الفلسطينية من قرصنة الاحتلال".