تقرير ديوان الرقابة.. ملفات فساد متعددة وماذا بعد؟

حجم الخط
9d19e636-0e93-4d41-a98b-90f1d623661c.jpg
أحمد البيتاوي - وكالة سند للأنباء

"فساد مالي بملايين الدولارات، استغلال سيئ للوظيفة العمومية، خلل في البنية الإدارية، ضعف في الرقابة"، بهذه الكلمات، يمكن وصف النتيجة التي خَلُصَ إليها تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية على أداء السلطة الفلسطينية وأذرعها المختلفة.

التقرير الذي أطلعت عليه "وكالة سند للأنباء" ويقع في حوالي 300 صفحة، أثار جملة من ردود الأفعال المتباينة، بين سُخط شعبي ودعوات لمحاسبة الفاسدين والمتجاوزين للقانون، وبين تشكيك من بعض الجهات والمؤسسات التي ورد اسمها في التقرير.

ووصل التشكيك إلى حدٍ وصف فيه رئيس رابطة الجامعيين في الخليل، أحمد بيوض التميمي، ما جاء في تقرير ديوان الرقابة، بأنه "شغل جواسيس".

التقرير كشف أيضاً عن أوجه فساد مختلفة في عدة وزارات وهيئات رسمية، اشتركت في مجملها حول: تبذير في الإنفاق العام فيما يتعلق بصرف بدل محروقات واتصالات وسفريات، وتعيين موظفين دون إجراء مسابقات تنافسية.

إضافة لغياب أنظمة وقوانين تحكم وتضبط عمل بعض الأفرع في الأجهزة الأمنية، وعدم وجود أنظمة مالية محوسبة في بعض الوزارات، وصرف مبالغ مالية دون وجود فواتير ودون اتباع قواعد الشراء المتعارف عليها كاستدراج عروض وعطاءات.

ديوان الرقابة.. التأسيس والأهداف

ويعتبر ديوان الرقابة الذي تأسس عام 2004 بموجب القانون الأساسي، أعلى جهة رقابية على أداء السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ابتداء من الرئاسة ومنظمة التحرير مروراً بالأجهزة الأمنية والوزارات وانتهاء بالبلديات والنقابات.

ويهدف الديوان لضمان سلامة العمل والاستقرار المالي والإداري في أذرع السلطة، وكشف أوجه الانحراف المالي والإداري، والتأكد من أن الأداء العام يتفق مع أحكام القوانين، ويمارس بأفضل طريقة وبأقل تكلفة.

مظاهر فساد متعددة

وبالعودة للتقرير السنوي الذي صدر عن الديوان، نجد أن هيئة مكافحة الفساد وقعت في مصيدة الفساد؛ فوفقاً لديوان الرقابة فإن الهيئة لم تُرجع الفائض في موازنتها عن الأعوام 2010- 2018 لحساب خزينة الدولة العامة، وهو بقيمة 13.5 مليون شيكل، إضافة لعدم وجود شفافية في تعيين موظفيها.

أما عن صندوق "وقفة عز" الذي أنشأته السلطة للتخفيف من الأضرار الاقتصادية التي خلفتها "كورونا"، فشهد خروقات متعددة، كان أهمها صرف مساعدات مالية لأشخاص يتلقون رواتب عالية ويحمل جوازات سفر دبلوماسية، إضافة لصرف المساعدات لعدة أفراد من نفس العائلة.

وفي وزارة الأوقاف، كشف التقرير عن وجود تجاوزات وخلل في إدارة نظام الحج الإلكتروني خلال قرعة اختيار المسجلين لأداء الفريضة، حيث حُذفت سجلات مسجلين بشكل غير مبرر، كما تم إضافة أسماء آخرين قبل استيفاء تسديد الرسوم.

كما أسهب التقرير بالحديث عن عدة تجاوزات مالية وإدارة في وزارة الصحة، متعلقة بالتحويلات الطبية إلى مستشفيات محلية وفي الداخل المحتل، ونقل مرضى لمراكز طبية غير مرخصة.

إضافة لاعتماد الوزارة رسوم فحوصات طبية ومخبرية جديدة دون الرجوع لمجلس الوزراء لاعتمادها.

أما وزارة الثقافة، فتعاني من مظاهر فساد مالي، لها علاقة بصرف مبالغ مالية كبيرة بدل سفريات ومحروقات لوكيل وزارة الثقافة السابق.

إضافة لصرف مبلغ يصل لـ 73.000 دولار لعدد من الفنانين والمثقفين الفلسطينيين والعرب على شكل مكافئات، دون توضيح المعاير التي تمت لاختيار هؤلاء دون غيرهم.

فساد في المحكمة الدستورية

وفيما يخص المحكمة الدستورية التي تأسست بقرار رئاسي عام 2016، فأشار تقرير ديوان الرقابة إلى أنها وقعت في مظاهر فساد مالي وإداري من بينه شراء مشتريات من خارج عطاءات دائرة اللوازم في وزارة المالية، خالفا للقوانين والأنظمة.

إضافة لصرف بدل هاتف نقال لجميع الموظفين داخل المحكمة البالغ عددهم 52 موظفاً دون وجود ما يثبت أن مصلحة العمل تستدعي ذلك.

كما أن ما يقارب من 53% من موازنة المحكمة مخصصة كرواتب ومكافئات نتيجة عدم وجود أسس تخطيط منظمة إرفاد المحكمة بالموظفين، في حين جرى تعين بعض الموظفين دون الإعلان عن وجود شواغر في المحكمة.

وفقاً للتقرير ذاته، فإن وزارة الاقتصاد لا تلتزم بالمحددات التي تضعها مؤسسة المواصفات والمقاييس لضمان وجود مستلزمات واللعاب أطفال مستوردة من الخارج، آمنة وصحية.

كما أن وزارة السياحة والآثار لا تقوم بوضع الآثار المكتشفة في أماكن بعيدة عن التلف والانكسار.

أما في وزارة الداخلية، فتعاني مديرية التسليح المركزي العام لقوى الأمن الفلسطينية من عدم وجود أو نظام خاص بالمديرية ولا يتم تفعيل وحدة الرقابة والتفتيش على الوحدات التابعة للمديرية ولا تتم رفع ميزانية خاصة بها إلى الإدارة المالية المركزية.

أما هيئة الإمداد والتجهيز في ذات الوزارة، فلا يوجد قانون خاص ينظم عمل الهيئة ولا وجود لنظام محوسب يربط بين المستودعات ودائرة التجهيز، ولا يتم جرد دوري للمستودعات.

ماذا بعد التقرير؟

بدوره، يقول الخبير والمحلل الاقتصادي د. نصر عبد الكريم: "إن التقرير الصادر عن ديوان الرقابة وما جاء فيه من معلومات وحقائق، لم يكن مفاجئاً لكثيرين، فهو تأكيد لما يتداوله الناس في مجالسهم، عن أوجه فساد متعددة في وزارات ومؤسسات حكومية".

ويشددُّ "عبد الكريم" لمراسل "وكالة سند للأنباء" على أن الإدارة العامة يعتريها الكثير من أوجه الخلل والفساد، وهو ما يستدعي مصارحة ومكاشفة للمواطنين، وتصويب الأوضاع وتعزيز الرقابة الذاتية داخل كل وزارة ومؤسسة حكومية.

ويؤكد أن هذا التقرير يزيد من عدم ثقة الناس بسلطتهم الحاكمة، وهذه الحالة تؤدي لتدني التفاعل بجدية مع القضايا الوطنية المتعلقة بالتصدي للاحتلال.

وأضاف: "المهم الآن هو: ماذا بعد التقرير، هل سيتم التعاطي معه بشكل جدي من طرف الرئاسة في ظل عدم وجود مجلس تشريعي منتخب يمارس دوره الرقابي".

ويحذّر "عبد الكريم" من إعاقة عمل الديوان مستقبلاً أو تعرضه لضغوطات من أطراف ما داخل السلطة لا يروق لها كشف الفاسدين، لافتاً إلى أن ديوان الرقابة مطالب بالاستمرار في عمله ودعمه بشتى الطرق.

استرداد الأموال

وفي تعقيب رسمي، قال مستشار رئيس الوزراء وعضو المجلس الثوري بحركة فتح عبد الإله الأتيرة، في تصريح لـ"وكالة سند للأنباء"، إن الحكومة ستعمل على دراسة ما ورد في تقرير الرقابة الإدارية والمالية والأخذ بالملاحظات الواردة فيه ووضع رؤية للتعامل معها.

من جهته يؤكدٌّ وزير العمل الفلسطيني نصري أبو جيش، أنه تم استرداد الأموال التي صرفت من صندوق "وقفة عز" لغير مستحقيها.

ويعد صندوق "وقفة عز" واحداً من الملفات التي كشف التقرير عن استفادة أشخاص لا يستحقون من أمواله.

ويقول "أبو جيش" لـ"وكالة سند للأنباء"، إن الوزارة أخذت الإجراءات بحق الأشخاص الذين حصلوا على مساعدات من صندوق عز دون أن يستحقوا.

ويوضح أنه تم استرجاع كل الأموال التي صرفت دون وجه حق ومحاسبة من حصل على الأموال، مبينًا أنه تم تشكيل لجنة من 3 وزراء، وتم دراسة العقوبات بحق أي فرد يقدم معلومات غير صحيحة في الاستمارة.

ويذكر أن إجراءات "كورونا" حالت دون الفحص الميداني؛ "لكن تم التعامل مع بعض الأخطاء، وجرى استرجاع كل هذه الأموال".

ويوضح أن الصندوق انتهى عمليا ، كونه شكل لفترة معينة فترة تفشي الوباء في الأراضي الفلسطينية.

في ضوء ذلك، كشف الوزير عن ترتيبات تجري لتقديم مساعدات لقرابة عشرة آلاف عامل في قطاع غزة من متضرري جائحة كورونا، "سيجري توزيعها بعيد تجهيز القوائم".

وبين "أبو جيش" أن الوزارة خصصت 28 ألف من أصل 65 ألف عامل، لأخذ التعويضات من الوزارة، مشيرًا إلى أنّ هذه النسبة تأتي في إطار تأكيد الوزارة على ضرورة العناية بعمال المحافظات الجنوبية.