"الله يستحقها أكثر مني"..

بعد ترقب وشوق لـ 40 سنة.. رحلت"صبحيّة" دون "العناق" المنتظر

حجم الخط
صبحيّة والدة الأسير كريم يونس
إيمان شبير - وكالة سند للأنباء

كانا على أمل اللقاء من جديد، وعدتُه في آخر حديثٍ هاتفي جمعهما أن تكون قوية، وأن تظل على عتبة الانتظار لو غيبته السجون 100 سنة "حأضل أستناك يمه".. تسرّبت هذه الكلمات من بحّةِ صوتها الحزين الذي أنهكه المرض قبل أيامٍ قليلة من وفاتها، أما هو فردَّ عليها ورجفة الخوف من فقدانها تُحاصر تفكيره "أنا صابر وقوي يمه بس إنتي ارجعيلنا بقوتك".

سبق هذا الاتصال بنحو أسبوعين، لقاء قصير تحدثا خلاله عن "الفرحة الكبرى" التي تستعد لها العائلة بعد انتظارٍ دام 40 عامًا، لكن الهاجس الذي كان يُقِلق الأسير كريم يونس حدث بالفعل "لقد توفيت والدته صبحيّة قبل 9 أشهر من نيل حرّيته".

"الله يستحقها أكثر مني"، بكامل استسلامه وقهره نطق "كريم" هذه الكِلمات حين سمع نبأ وفاة والدته في الخامس من مايو/ أيار الجاري، بعد أن كان يعدّ الليالي واحدة بعد الآخرى، وصولًا لعنِاق خارج أسوار السجن.

والأسير كريم يونس (65 عامًا) عميد الأسرى الفلسطينيين، من بلدة عارة في الداخل الفلسطينيّ المحتل، معتقل منذ عام 1983، بتهمة بقتل جندي إسرائيلي وخطف سلاحه في بئر السبع، وحُكم عليه بالسّجن المؤبد الذي حُدد لاحقًا بـ 40 سنة.

والدته الحاجة "صبحيّة" التي رحلت عن عمرٍ يُناهز 90 عامًا، ظلّت واقفة على عتبة الانتظار 40 سنة، تجرّعت خلالها لأشرس أنواع الوجع والقهر في حرمانها من عناق فلذة كبدها، والفرح به والتنعم برؤية أحفادها منه، حتى أن تشعر بـ "بره وحنانه" عليها عند كِبرها ومرضها لم يُكن متاحًا، والسبب الاحتلال وسياسته العنصرية.

"أم الأسيرات"

نديم يونس شقيق الأسير "كريم" يقول إن "والدتي عاشت محطات صعبة على مدار حياتها، أشدها قسوة تلك التي عاشت فيها تنتظر شقيقي كريم على أمل اللقاء من جديد، إذ كانت تؤكد لنا دائمًا أنها أقوى من المرض، وأن احتضانها لكريم سيكون قريبًا،  لكنّ الموت كان أقرب إليها من تحقق أمنيتها".

ويُضيف "يونس" لـ "وكالة سند للأنباء" أنهم لم يتوقعون مفارقة الحاجة "صبحيّة" الحياة في وقتٍ قريب، فقد كانت صامدة جدًّا، وتجاوزت فترات المرض جميعها بما فيها فيروس "كورونا"، وشاركت جميع  أقربائها وجيرانها الأمل، ووعدتهم أن يعيشون فرحة الإفراج عن "كريم" قريبًا، وهذا ما أفجعنا في فراقها.

ويُشير إلى أن والدته زارت شقيقه الأسير "كريم" في السجن قبل وفاتها بـ 20 يومًا، إذ أخبرته بليالي الفرح التي ستعدها له عند الإفراجِ عنه، وسيكون عرسًا وطنيًّا في انتظاره.

وفي فيلم "مؤبّد مفتوح" الذي يتناول بـ 50 دقيقة قصّة اعتقال كريم يونس، قالت "صبحية" إنّها لا تخاف على ابنها ، لأنه كلما تقدّمت السنوات، فإنه يصير حرًا أكثر، لكنها تخاف أن لا تلقاه في لحظة حريته الأولى خارج السجن.

الموت يُوجع الأحياء..

قبل 30 عامًا من الآن، في ساحة سجن نفحة كان يتحدث "كريم" لرفيقه في الأسر جبر وشاح عن أمنياته قائلًا: "أنا لا أخشى سنوات اعتقالي الطويلة، بل إن أكثر ما أخشاه، هو أن أتلقى خبر وفاة والدتي وأنا بين أسوار العزل".

ويُردف "وشاح" لـ "وكالة سند للأنباء" أن "أكثر الأوجاع قهرًا على قلب الأسير هو فقد الوالدين، فالموت يوجع الأحياء فكيف حين يُحرمون من وداع أحبّ الناس إليهم، مُشيرًا إلى أن "كريم" لم يُسمح له بإلقاء نظرة أخيرة على والدته التي توفيت قهرًا وانتظارًا على مدار 40 عامًا.

ويذكر أن الأسير "كريم" كان يستمد قوته داخل الأسر من إيمانه الواعي بعدالة القضية التي ناضل من أجلها، و-أيضًا- من دعم أسرته التي لم تنقطع والدته عن زيارته في السجن طوال السنوات الماضية رغم كبر سنها ومرضها".

ويُكمل "وشاح"، إن الحاجة "أم كريم" بوفائها في الانتظار وقوتها، تُمثل نموذجًا للأم الفلسطينية الصابرة، التي تكون في قلب المعاناة ولم تعكس ذلك أمام ابنها المعتقل، بل تكن مصدر قوة وثقة ودعم له ولباقي زملائه الأسرى.

والأسير "يونس"، واحد من 25 أسيرًا تواصل سلطات الاحتلال اعتقالهم قبل توقيع اتفاقية أوسلو، وترفض الإفراج عنهم رغم العديد من صفقات التبادل، والإفراجات وكان آخرها عام 2014، حيث كان من المقرر أن تفرج سلطات الاحتلال عن الدفعة الرابعة من القدامى.