أشد ضراوة من القِتال العسكري..

في العصر الرقمي.. انتصارٌ فلسطيني بمعركة الوعي مع إسرائيل

حجم الخط
علم فلسطين
نواف العامر - وكالة سند للأنباء

في ظل تراجع الفائدة المرجوة من الحروب العسكرية التقليدية، اتجهت إسرائيل في السنوات الأخيرة الماضية إلى معركةٍ جديدة مع الفلسطينيين تُعرف بـ "الحرب على الوعي"، والتي تصاعدت وتيرتها بين الجانبين منذ العام الماضي، كجزء من السعي لتطوير وبناء الإمكانيات التي تدعم كل رواية على حدى.

وبحسب تقريرٍ أعدّه معهد أبحاث "الأمن القومي" في جامعة تل أبيب الإسرائيلية، فإن جيش الاحتلال وضع خطة محكمة تهدف لشن "حملات على الوعي" لدى غير الإسرائيلي، وتطوير الأدوات التكنولوجية وتدريب الأفراد الملائمين لخوض هذه المعركة خاصة على منصات التواصل الاجتماعي.

ويُلاحظ التقرير أن المتحدث باسم الجيش والمسؤول عن الشبكات الاجتماعية في العالم العربي، يسعى للوصول إلى مختلف الفئات المستهدفة عربيًا، عن طريق طرح تساؤلات وأمور جدلية أمام الجمهور العربي في عناوين ومحاور متعددة.

في المقابل يقر بأن النشطاء وفصائل المقاومة وعلى رأسها حركة "حماس"، كثفوا نشاطهم الإعلامي وعملوا على تطويره بشكلٍ دائم، في إطار المعركة "على الوعي" منذ العدوان الأخير على غزة بمايو/ أيار 2021.

وتُشير تقديرات مركز الأبحاث الإسرائيلية، إلى تراجع الأداء الإسرائيلي في هذه المعركة، يُقابله تفوق فلسطيني ساهم بإبراز روايتهم، ونقل رسائلهم وإنجازاتهم على نطاق واسع بمختلف المستويات المحلية والإقليمية والعالمية.

مد وجزر تعبوي..

الباحث في الشأن الاستراتيجي والإسرائيلي محمود المرداوي، يقول إن عملية التعبئة الداخلية لدى جيش الاحتلال درجت على نظرية التفوق عطفا على قدراته الأمنية والعسكرية التي منحته تفوق وقدرة على حسم الحروب.

لكنه يُشير في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء"  إلى أن "قدرة جيش الاحتلال على الحسم تراجعت بشكل كبير في الـ 30 سنة الأخيرة، كما أنه لم يستطع منذ حرب 1982 حسم أي معركة خاضها".

ويُضيف "المرداوي" أن إسرائيل وأذرعها الأمنية بنت منظومة إعلام باللغة العربية، للوصول إلى عقول الجماهير العربية وغرس شعور الهزيمة النفسية داخلهم، لافتًا إلى أن استخدام لغة العرب ساعدها في "نشر رسائلها دون حواجز".

ومع الانتفاح التقني العالمي، والإقبال الضخم على منصات التواصل، لم تعد إسرائيل تُركز على صورة "جيشها الذي لا يُقهر" وتفوقه العسكري فحسب، بل ذهبت أيضًا إلى مبدأ "الربح والخسارة" في الأبعاد الاقتصادية والمعيشية، من أي مواجهة قد تحصل بينها وبين الفلسطينيين، وفق "المرداوي".

ويستطرد: "لذا نجد إسرائيل قد أنشأت في نِزالها على الوعي، أقسامًا متخصصة على منصات التواصل، تعمل على بثّ أسئلة جدلية حول المقاومة وجدواها، بالإضافة لترسيخ مبدأ مكافأة المناطق الهادئة ببعض من التسهيلات والامتيازات، وعقاب المناطق الثائرة".

حضور وتفوق فلسطيني..

أيضًا منح الفضاء الإلكتروني مساحة واسعة للفلسطينيين، لنشر روايتهم والوصول لأكبر قدر ممكن من الشرائح المجتمعية في العالم، عن ذلك يُحدثنا "المرداوي": "استغل الفلسطينيون جيدًا منصات التواصل وما ساعدهم في إيصال صوتهم بقوة إلى العالم، خاصةً في العدوان الأخير بمايو/ أيار 2021".

ويُدعّم قوله: "في الحرب الأخيرة، أثر المحتوى الفلسطيني بالمجتمع الأمريكي أكثر من تأثير محتوى الإسرائيليين، وهذا تُرجم على أرض الواقع بمسيرات حاشدة وداعمة للقضية الفلسطينية في العديد من الدول الغربية".

ويلفت إلى أن حجم التضامن الذي تلقاه الفلسطينيون حينها، أقلق إسرائيل، وجعل وزارة الخارجية فيها تستنفر كل طواقمها لإعادة ترميم صورة "دولتهم" في المجتمعات الغربية، مؤكدًا أنه بالرغم من التفوق التقني الإسرائيلي إلا أنهم فشلوا في مواجهة الرواية الفلسطينية والحد من تأثيرها على الشعوب عربيًا ودوليًا.

في ضوء هذا الفشل، لجأت إسرائيل إلى تشديد إجراءات الرقابة الإلكترونية، حيث تتعرض آلاف الحسابات على شبكات التواصل للحذف وتقييد الوصول للمعلومات، بسبب دعم القضية الفلسطينية، كما يتم تصنيف أسماء الفصائل الفلسطينية وشخصيات قيادية بما فيهم أسرى في سجون الاحتلال، ضمن المنظمات والشخصيات الخطرة، تبعًا لـ "المرداوي".

حضور الأمن..

من ناحيته يقول الكاتب والمحلل معتصم سمارة، إن تفكيك الحاضنة الفلسطينية وغرس الهزيمة الداخلية لدى الفلسطينيين، هدف بارز يشغل تفكير المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، بالتوازي مع "إثبات تفوقهم العسكري والتقني، وتماسكهم كمجتمع".

ويعتقد "سمارة" في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" أن المنظومة الإسرائيلية بتشكلاتها المختلفة تُضخم أحداثًا معينة في الضفة الغربية، كمثال لغايات ما، بأهداف سياسية وأمنية مرتبطة بالوعي العام، يرافقه عمل إسرائيلي متواصل لتوسيع الشرخ الفلسطيني بحدة نفسيا وشعوريًا.

قفزة نوعية وتصدعات..

المختص في شؤون الصراع لطفي صالح، يوضح، أن الاعتراف الإسرائيلي بمنظمة التحرير الفلسطينية خلق داخل المراكز الإسرائيلية صراعًا داخليًا، وأحدث ضربة لمفاهيم الوجود الفلسطيني في الداخل المحتل، الذي كان وفق رؤيتهم سابقًا كمثال "حاضر غائب".

وينوه "لطفي" لـ "وكالة سند للأنباء" إلى صدع إسرائيلي حاصل في العديد من المستويات، فالأبحاث الأكاديمية حول الحضارة العربية والإسلامية تغيرت بقوة، حيث ظهرت أكثر من 1000 رسالة دكتوراة إسرائيلية عن الإسلام والفلسطيني، كوجهة جديدة لدى المؤسسة الإسرائيلية التي يتصدر الجيش مشهدها من الخلف، وتتصدر المقاومة وفصائلها لأول مرة كوجه للأخر في دراساتهم وأبحاثهم.

ويرى أن الدراسات الإسرائيلية في مجملها وفي قضية الوعي لم تتمكن من تفكيك الخطاب الفلسطيني بشكل دقيق، مشيرًا إلى أن المجتمع  الإسرائيلي في مسألة الوعي يريد التعرف على العربي والفلسطيني، وهو ما أحدث الانتباه لدى النخب الأمنية ودفعها لدراسة الآخر وأساليب تفكيره وكيف يُمكن هزيمته بعيدًا عن النِزال العسكري.

ويُجمع "ضيوف سند"، على أن الحشد الإعلامي الكبير، وإعادة هيكلة الأساليب الفلسطينية في بث الرواية وترويجها وتسويقها عبر منصات التواصل وعلى مدار 24 ساعة، ساهم في ترجيح كفّة الفلسطينيين في معركة الوعي، وسط توقعات بأن تتصاعد هذه المعركة في السنوات القريبة القادمة، لكن "إسرائيل لن تكون قادرة على كسبها".