بالصور ضحكات حول "الأرجوحة".. آخر عهدٍ لـ "ياسر" وأطفاله الثلاثة في الحياة

حجم الخط
ياسر النباهين وأطفاله الثلاثة
مجد محمد – وكالة سند للأنباء

هي الحرب إذًا.. صواريخ وقنابل تتناثر فوق رؤوس العِباد، لا تفرّق بين مقاتل وبين طفل يلهو أمام منزله، أطنان لا ترى أو تسمع ضحكات الأطفال وهي في طريقها للتهاوى بحممها عليهم، فتحوّل أجسادهم الطرية لجثث متفحمة، أو أشلاء متناثرة، ففي الحرب، محظوظ من استطاع أن يودّع جثمان طفله كاملًا!

في فناء منزلهم المتواضع داخل مخيم البريج وسط قطاع غزة، كان أطفال عائلة "النباهين"، يحاولون اختلاس لحظات فرح أخيرة من الحياة، في ثالث أيام العدوان حول "مرجوحة" كانت تحملهم مع ذكريات كثيرة هناك.

 ضحكات بريئة تملأ المكان، وأصواتهم العذبة يضج بها البيت الذي يظنوه آمنًا، وفجأة ودون سابق إنذار وبصاروخ حاقد من طائرة دون طيّار، تحوّل الفناء لركام، والأطفال لجثث هامدة متفحمة، خمدت معها ضحكاتهم.

وقصفت طائرات الاحتلال منزلًا لعائلة "النباهين" في مخيم البريج، مساء يوم الأحد الماضي، ليسفر ذلك عن استشهاد الأب ياسر نمر النباهين (40 عامًا)، وأطفاله: محمد (13 عامًا)، وأحمد (9 سنوات)، وداليا (13 عامًا).

شاهد على المجزرة

على بعد أمتار قليلة من المجزرة المروّعة، تواجد "بلال" (23 عامًا) الابن الأكبر للشهيد "ياسر"، ليصاب بجروح متوسطة في الظهر والقدم، إلّا أن الجرح الأشد وجعًا، كان برؤية والده وأشقائه الثلاثة مضرجين بدمائهم.

يستجمع بلال قوته للحديث قائلًا: "قتلوا فرحتنا، اغتالوا براءة الأطفال، قتلوا كل شيء جميل في منزلنا".

وعن اللحظات الأخيرة التي سبقت رائحة الموت، يسرد الابن المكلوم لـ"وكالة سند للأنباء": "كنّا جالسين في حديقتنا خلف المنزل، كان بها مرجيحة يلهو عليها إخوتي الصغار، قبل أن تذهب أمي لتحضير الشاي بطلب من والدي، ورافقتها أختي الصغيرة".

يخنقه الحزن، يصمت قليلًا ثم يكمل: "لحظات فصلت بين والدتي وشقيقتي الصغيرة، عن الشهادة والمجزرة المروعة".

لا يقوى "بلال" على تصديق ما حصل لإخوته، فمشهد المجزرة أقسى وأصعب من أن تصفه الكلمات، لكنه يتساءل: "ما ذنب أطفال بعمر الورود أن يقتلوا بهذه الطريقة البشعة وهم آمنين في بيتهم؟ هل هذا هو بنك الأهداف الإسرائيلي؟".

يواسي نفسه ويبرد نيران قلبه المشتعل بكلمات: "حسبنا أنهم شهداء في الفردوس الأعلى بجوار الشهداء والأنبياء والصالحين"، لافتًا إلى أن والده طلب الشهادة قبيل استشهاده بـ20 دقيقة فقط، وكان دائماً ما يردد "اللهم إني أسألك الشهادة، بعد طول عمر وحسن عمل".

297608936_760235285121644_1956215659371439409_n.jpg

298019917_426215946198010_5153566256451895520_n.jpg
 

أخ وصديق..

لا تسل عمّن رحل، بل اسأل عمن تركهم خلفه، كيث سيقوون على العيش دونه، وهو من كان الأخ والصديق قبل أن يكون أبًا، وعن ذلك يحكي "بلال": "كان والدي بمثابة أخي وصديقي، كان يحب أمي كثيرا وعلاقته مميزة معها، وكانت لأخواتي البنات مكانة خاصة جدا في قلبه، فأحبهن جدا وأكرمهن".

ويُسهب في الوصف: "كان محبًا للجميع، ويقدم المساعدة لكل من يطلبها، خاصة في مجال عمله في الشرطة القضائية، فعُرف بين جيراننا بالخدوم المصلح، فيصلح بين أقربائه وبين جيرانه، وكان يسامح من يُخطئ في حقه، ويحرص على لم الشمل والوحدة دومًا".

ساعة الموت!

الشاب محمد النباهين أحد أقارب الشهيد "ياسر" ويسكن بالقرب منه، شاهد آخر على الجريمة، يروي لـ"وكالة سند للأنباء" ما حصل أمامه، قائلًا: "في تمام الساعة السابعة من مساء الأحد، أطلق الاحتلال صاروخاً بشكل مباشر على منزل الشهيد ياسر، بينما كان أطفاله يلعبون أمامه، ما أدى لاستشهادهم على الفور".

ينظر لركام المنزل أمامه ويتابع: "الاحتلال يتعمد قصف المدنيين كعادته في كل حرب، هل هؤلاء الأطفال مقاومين وعساكر ليتم قصفهم واغتيالهم بهذه البشاعة؟".

الشهداء الأطفال بالأرقام..

وبحسب بيانات رسمية فلسطينية، فإن حصيلة الشهداء من الأطفال منذ اندلاع انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية) عام 2000 حتى العام الحالي، بلغت 2230 شهيدا، ألف منهم في الحروب الإسرائيلية الخمسة على القطاع.

واستشهد 315 طفلا خلال الحرب الإسرائيلية الأولى على غزة أواخر عام 2008 ومطلع 2009.

وفي العدوان الذي شنته إسرائيل عام 2012، استشهد 43 طفلا، وفي عام 2014 التي استمرت لأكثر من 50 يوما، استشهد 546 طفلا.

واستشهد 72 طفلا في العدوان الذي شنته إسرائيل على قطاع غزة مايو/أيار 2021، واستمر 11 يوما.

وتشير أحدث إحصاءات وزارة الصحة، إلى أن 3 أيام من العدوان الإسرائيلي الأخير على القطاع خلّفت 47 شهيدا، بينهم 16 طفلا، و4 نساء، إضافة إلى 360 جريحا، 41% منهم أطفال دون الثامنة عشرة، و58 امرأة، فضلا عن دمار مئات الوحدات السكنية.

297743287_441919951006714_388010379296912859_n.jpg