تعود قضية البقرة الحمراء العاشرة في باحات المسجد الأقصى إلى الواجهة بشكل مستمر، ليس كطقس ديني فحسب، بل كعامل سياسي واستراتيجي مرتبط بجماعات الهيكل داخل الصهيونية الدينية.
وفق المعتقدات اليهودية، تمثل هذه البقرة شرطًا أساسيًا لإتمام طقس التطهير الذي يمهد لإعادة بناء الهيكل الثالث، وهي طقوس نادرة ومعقدة بسبب الشروط الصارمة على البقرة نفسها، ومن سيؤدي الطقس، ومتى وأين.
وتفرض الشريعة اليهودية أن تكون البقرة أنثى، حمراء بالكامل تقريبًا، بلا شعرة بيضاء أو سوداء، لم تُحلب أو تُستخدم في أي نشاط سابق، ولا تحمل أي عيب جسدي. يتم ذبحها، وحرق جسدها، ثم خلط الرماد مع الماء لاستخدامه في طقس التطهير، ما يمكّن اليهود من أداء الطقوس الدينية في الهيكل.
الانقسامات الدينية وتأثيرها على التطبيق
ظهرت انقسامات بين الحاخامات والجماعات الدينية المتشددة حول كيفية تطبيق الطقس، إذ يرى بعضهم أن البقرة يجب أن تولد في الأرض المقدسة وأن يكون الذابح مؤهلاً دينيًا، بينما يقبل آخرون بأي بقرة مستوفية للشروط دون الالتزام بمكان ميلادها، ولا يشترط أن يؤدي المسيح الطقس بنفسه.
يؤكد الباحث في شؤون القدس عبد الله معروف أن: "البقرة الحمراء ليست مجرد طقس ديني تقليدي، بل مرتبطة بتحولات فعلية على الأرض داخل المسجد الأقصى".
ويتابع معروف لـ "وكالة سند للأنباء"، أنّ "جماعات الهيكل ترى في هذه الطقوس مقدمة رمزية لتوسيع الاقتحامات وفرض تغيير في الوضع الزماني والمكاني للأقصى".
التربية العملية للبقرات وتأثيرها على الاقتحامات
لمواكبة الشروط الدينية، جرى تربية خمس بقرات من سلالة "أنجوس أحمر" في مستوطنة تل شيلو جنوب نابلس، بعد استيرادها من تكساس عام 2022، ضمن حظائر مجهزة خصيصًا لمراقبة اللون والسن والتأكد من عدم استخدامها سابقًا.
ويضم الموقع مركزًا للدراسات حول البقرة الحمراء، لتثقيف الإسرائيليين وإعداد الأدوات اللازمة للطقس، بما في ذلك المذبح والأواني الذهبية.
ويشير الباحث كريم قرط إلى أن "نشاط جماعات الهيكل ارتبط مباشرة بالتصاعد في الاقتحامات السنوية للمسجد الأقصى، حيث ارتفع عدد المقتحمين من نحو أربعة آلاف إلى نحو خمسين ألفًا، بينما تعتبر تربية البقرات جزءًا من المشروع الاستراتيجي الديني والسياسي".
السياق الرمزي والسياسي
في مقال نشره المختص بشؤون القدس زياد ابحيص مع اندلاع الحرب على غزة، قال فيه إنّ البقرة الحمراء تمثل مفتاحًا لإتمام طقس التطهير، وتلعب دورًا مركزيًا في تعزيز النفوذ الرمزي للمجموعات المتطرفة.
ويبرز المقال أن النشاط الديني والسياسي المرتبط بالطقوس لا يقتصر على الجانب الرمزي، بل يشمل التحضير الميداني للبقرات وإعداد مرافق الطقس، ما يعكس استراتيجية متكاملة لفرض النفوذ داخل المسجد الأقصى وتأثير على الوضع الزماني والمكاني منذ عام 1967.
وقد أثارت قضية البقرة الحمراء ردود فعل فلسطينية وعربية واسعة. ناقش الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وملك الأردن عبد الله الثاني استيراد البقرات، فيما حذرت "كتائب القسام" من تداعيات ذلك مشيرة إلى أن هذه الخطوة أحد أسباب تصعيد بعد حرب غزة.
ويخشى الفلسطينيون أن يؤدي تقديم البقرة إلى تغييرات ملموسة في الوضع القائم، بما يشمل إعادة توزيع المساحات داخل الأقصى وفرض واقع جديد على الأرض.
هذا دفع الباحث عبد الله معروف للتحذير مجددًا من أنّ "القضية ليست مجرد طقس ديني، بل نقطة التقاء بين الدين والسياسة والاستيطان".
ونبّه إلى أنّ وجود البقرات وتصاعد الاقتحامات المرتبطة بها يجعل تقديم قربان البقرة العاشرة أقرب من أي وقت مضى، ما قد يؤدي إلى تغييرات ملموسة تضع المسجد الأقصى مرة أخرى في قلب الصراع المتجدد.





