لم يكن حرمان الأسرى الفلسطينيين من زيارة عائلاتهم خلال العامين الماضيين إجراءً عابرًا، بل شكّل ضربة قاسية لحقهم الإنساني في التواصل مع ذويهم؛ فاللقاء القصير خلف الزجاج، رغم أنه لا يزيد عن 45 دقيقة، كان نافذة يتنفسون منها بعض الحرية ويستمدّون منها القوة.
ومع إيقاف هذه الزيارات خلال العامين الماضيين، مع تصاعد الإجراءات الانتقامية بحقهم، فقد الأسرى آخر ما يربطهم بالعالم الخارجي، الأمر الذي ترك أثرًا عميقًا في نفوسهم ونفوس عائلاتهم التي حُرمت بدورها من الاطمئنان على أبنائها.
تشير إفادات الأسرى والمحامين وعائلات المعتقلين إلى أن حرمانهم من الزيارات لم يكن إجراءً هامشيًا، بل ممارسة ممنهجة للتعذيب النفسي تركت انعكاسات خطيرة على سلامتهم النفسية والجسدية.
فهذا الانقطاع الكامل عن العالم الخارجي خلّف جروحًا عميقة لدى الأطفال والزوجات والآباء، خاصة في ظل غياب أي وسيلة رسمية تمكنهم من التواصل أو الاطمئنان على أحبّتهم طوال فترة الاعتقال.


بين القلق والغياب.. شهادات حيّة
تجسّد حكاية الأسير المحرَّر أحمد أبو سليمان من الخليل جنوب الضفة الغربية، الذي أمضى 14 شهراً في الاعتقال الإداري في نوفمبر/ تشرين ثاني 2023، جانباً مؤلماً من معاناة الأسرى في ظل الانقطاع التام عن العالم الخارجي.
فمع بداية اعتقاله، كانت زوجته حامل في شهرها السادس وتعاني من مشكلات صحية خطيرة، وقد حذّر الأطباء من احتمال فقدان الجنين، ما جعله يعيش قلقاً متواصلاً منذ اللحظة الأولى للاعتقال.
وخلال فترة سجنه، لم يصل أحمد أي خبر عن زوجته أو طفله المنتظر، يتساءل بقلق وشوق: هل وُلد؟ هل هو بخير؟ ماذا أسموه؟ عشرات الأسئلة ظلت عالقة في ذهنه، تمامًا كما هو حال بقية الأسرى الذين انقطعت صلتهم بكل ما يجري خارج أسوار السجن.
يقول أبو سليمان لـ "وكالة سند" للأنباء"، إن الأحلام كانت الملاذ الوحيد لمعرفة ما يحدث مع عائلاتهم، حتى أصبحت رؤى النوم بديلاً عن الأخبار، يتأثر بها الأسرى ويتبادلون تفسيرها وكأنها واقع.
ويروي في هذا الجانب: "في أحد الأحلام ظهرت والدة زوجتي تخبرني أن طفلي اختنق أثناء الولادة، وظللت أشهراً أعيش صدمة هذا الحلم، أبكي رغم معرفتي أنه مجرد منام.. وبعد أسابيع رأيت في حلم آخر أن طفلي بخير، فعمّ الفرح بين الأسرى وكأننا تلقينا خبرًا حقيقيًا".
وبعد عشرة أشهر كاملة من الاعتقال، وفي أول زيارة نُظمت له بعد رفض الزيارة الأولى، حمل المحامي معه الخبر المنتظر: الطفل وُلد سليماً، عمره الآن سبعة أشهر، وقد ظهرت أسنانه الأولى، وأسمته العائلة "جهاد"، والجميع بخير.

عن شعور أحمد حينها: "في تلك اللحظة شعرت أن الاعتقال انتهى.. كان الخبر بمثابة حرية مؤقتة تنفستها بعد شهور طويلة من القلق والترقب".
ويضيف أن هذا النوع من المعاناة لم يكن موجودًا في الاعتقالات السابقة، حيث كانت الزيارات المنتظمة والاتصالات المحدودة توفر قدرًا من الطمأنينة، وتخفف من الضغط النفسي الهائل.
أما اليوم وخلال عامي الحرب، فحرمان الأسرى من الزيارات والانقطاع الكامل عن ذويهم لم يعد مجرد إجراء عابر، بل كارثة حقيقية تركت جروحاً عميقة في نفوسهم.
ويستذكر أحمد أن سبعة أسرى من قِسم واحد كانوا ينتظرون خبرًا يطمئنهم على ولادة أطفالهم، في وقت عاش فيه كل أسير قلقًا مريرًا مرتبطاً بقصة أو ظرف خاص كان يتابع تفاصيله قبل الاعتقال.
تتجلى هذه القسوة أيضًا في قصة الأسير الصحفي والناشط عبد الله شتات من بلدة بديا غرب سلفيت، المعتقل منذ 31 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والذي يقبع في سجن نفحة وسط أوضاع صحية صعبة؛ حيث تركض عائلته خلف أي خبر يطمئنها على حاله.
تقول زوجته مادلين فقهاء إن الاحتلال حكم على عبد الله بالسجن 16 شهرًا بتهمة "التحريض عبر مواقع التواصل"، وبعد انتهاء المدة أفرج عنه، لكن لم تمضِ سوى لحظات حتى أعيد اعتقاله من داخل البوسطة نفسها، ليُضاف إلى ملفه اعتقال إداري لـ 4 أشهر بذريعة أنه "يشكل خطرًا على أمن المنطقة"، كما يدّعي ضابط المخابرات.
طفلاه، حنان (9 سنوات) وعزالدين (6 سنوات)، لم يتوقفا منذ لحظة الاعتقال عن السؤال عن والدهما؛ فطول الفترة دون زيارات ودون أخبار حقيقية جعلهما يعيشان قلقًا لا ينتهي.
تشير والدتهما لـ "وكالة سند للأنباء" إلى أن هذا الاعتقال، رغم كونه الخامس، هو الأصعب على الإطلاق.

وتعبر حنان عن شوقها لوالدها يوميًا، وتعد الأيام انتظارًا للّحظة التي تلتقيه فيها، بل تسابق الزمن لختم المصحف أملاً في إسعاده عند عودته.
أما عزالدين، فيردد يوميًا ببراءة طفولته المسلوبة: "أنا محتاج بابا يودّيني على المدرسة، يأخذني مشوار، نروح على الحديقة، ويلعب معي كراتيه"، معبّراً عن فراغٍ كبير تركه غياب والده القسري، كما تُخبرنا والدته التي تؤكد أنّ "مكان عبد الله في حياة طفليه لا يمكن لأحد أن يملأه".
يشتدّ قلق العائلة مع حلول الشتاء، إذ يعاني عبد الله من تمزق في أربطة يده، ولا يُسمح له حتى بتناول مسكنات الألم، إضافة إلى ما يتعرض له الأسرى من قمع وعقاب جماعي.
ويُمنع أحيانًا من زيارة المحامي بحجة "الطوارئ" أو "حجر الأقسام" بسبب انتشار مرض السكابيوس (الجرب)، رغم أن هذه الزيارة هي المتنفّس الوحيد الذي تنتظره الأسرة لسماع أي خبر يطمئنها على وضعه.
وتشير العائلة إلى أن زيارات المحامين أصبحت عبئًا ماليًا كبيرًا مع استمرار قطع الرواتب، لكنهم يضطرون لإرسال المحامي بين حين وآخر فقط لمعرفة حالته ورفع معنوياته.
وتناشد عائلة شتات الجهات المختصة، التحرك العاجل لإعادة برنامج الزيارات كما كان، وتمكين العائلات من الاطمئنان على أبنائها وإدخال الملابس الشتوية لهم، خاصة في ظل الظروف الصعبة داخل السجون.
الأسرى بين العزل النفسي والمنع من الزيارات
من جانبه، يرى مسؤول دائرة الأبحاث في مركز "علاج وتأهيل ضحايا التعذيب"، وسام سحويل، أن حرمان الأسرى من الزيارات وعزلهم عن العالم الخارجي يُعد شكلاً ممنهجاً من التعذيب النفسي، له تأثيرات آنية وطويلة المدى.
ويشير سحويل إلى أن "الانقطاع عن العائلة يحرم الأسير من الدعم والمساندة، ويبدأ أثره خلال ساعات قليلة، فبعد ثماني ساعات يفقد الشخص القدرة على التركيز، وبعد 36 ساعة تبدأ الأفكار المضللة حول الأسرة والمصير، ويغدو الأسير معزولاً عن أي شكل من أشكال التواصل مع العالم الخارجي".
ويضيف سحويل لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذه السياسة تقترن غالبًا بممارسات تعذيبية أخرى، مثل منع المحامين والصليب الأحمر من الزيارة، لتضاعف الضغط النفسي، ما ينعكس على الأسرة بأكملها.
ويستطرد أنّ "الأسير لا يتأثر وحده، بل يمتد القلق النفسي إلى الزوجة والأطفال والآباء، إذ تفيد الدراسات بأن 97% من عائلات الأسرى تعيش حالة من التوتر المستمر، تتفاقم عند غياب المعلومات أو تسريب أي خبر عن اقتحام أو مرض الأسير".

ويؤكد أن آثار هذه الممارسات تتجاوز الاعتقال نفسه، حيث يظهر على الأسرى أعراض كالتوتر، القلق، الاكتئاب، وأحيانًا أفكار إيذاء النفس، خصوصًا بين الأطفال، كما يمكن أن تمتد هذه الأعراض بعد الإفراج.
"من فقدان الوزن إلى تغيّر ملامحهم لدرجة اختفاء ملامحهم المألوفة، وحتى عدم قدرة ذويهم على التعرف عليهم، كل ذلك يبيّن العنف النفسي الممنهج الذي يفرضه الاحتلال عبر منع الزيارات والعزل القسري"، يضيف سحويل.
وبينما تشير دراسات مقارنة إلى أن 18% من الأسرى أثناء الانتفاضة الأولى و30% خلال الانتفاضة الثانية عانوا من تأثيرات نفسية عميقة، فقد سجلت الدراسات الأخيرة أن 83% من الأسرى المحررين خلال العامين الماضيين تعرضوا لتأثيرات نفسية كبيرة نتيجة حرمانهم من الزيارات.
ويشدد سحويل على ضرورة وضع خطة وطنية وبرنامج شامل لرعاية الأسرى المحررين، تشمل متابعة طبية ونفسية متكاملة، وفرق متعددة الاختصاصات، لتعويض الآثار النفسية العميقة الناتجة عن سنوات الاعتقال والعزل.
سياسة ممنهجة لعزل الأسرى تشبه الحرب الصامتة
بدوره يصف رئيس هيئة شؤون الأسرى والمحررين، رائد أبو الحمص ما يعيشه الأسرى بأنه "حرب صامتة" داخل السجون، تهدف لعزلهم عن المجتمع وقطع أي تواصل معهم، مع تضييق مستمر على زيارات المحامين التي قد يُوافق عليها بعد شهرين، وغالبًا مع معلومات مغلوطة عن ظروف الأسير.
ويعتبر أبو الحمص لـ "وكالة سند للأنباء" أن حرمان الأسرى وذويهم من الزيارة يعكس حالة من الانحطاط والسادية لدى الحكومة الإسرائيلية، مؤكدًا أنّ السجون لم تشهد منعًا للزيارات بهذا الشكل الممنهج والتضييق الشديد منذ فترة طويلة، ما يجعل الواقع الحالي مأساويًا بحق.
ويضيف أبو الحمص أن "لا يوجد أي بوادر لانفراج الوضع في ظل حكومة الاحتلال الحالية، رغم المطالب والمراسلات الدولية، بما فيها الصليب الأحمر، الذي لم يمارس ضغطاً حقيقياً لحماية الأسرى"، وفق رؤيته.

جهود مستمرة لضمان زيارات الأسرى
في المقابل، يؤكد الناطق باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، محمد حمايل، أنّ عمل اللجنة لم يتوقف لحظة للوصول إلى أماكن احتجاز الأسرى الفلسطينيين، وطلب السماح لهم ولعائلاتهم بإجراء الزيارات.
ويعتبر زيارات الأسرى شريان حياة للتواصل والاطمئنان على المعتقلين، مضيفًا: "نتفهم قلق ومخاوف العائلات بسبب انقطاع الزيارات، وهو أمر صعب لا يمكن التعبير عنه إلا من مر به".

ويوضح حمايل لـ "وكالة سند للأنباء" أن جهود إعادة الزيارات لم تتوقف عبر الحوارات الثنائية وكافة الوسائل المتاحة، مشيرًا إلى استعداد الطواقم فورًا للدخول إلى مواقع الاحتجاز وفق التفويض الصادر عن اتفاقية جنيف الرابعة.
ورفض حمايل التطرق إلى الذرائع أو الردود الإسرائيلية بشأن استمرار المنع، لافتًا إلى أن هذا الأمر يخضع للسرية ضمن سياق الحوارات مع جميع الأطراف.

