الساعة 00:00 م
السبت 18 يوليو 2026
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.09 جنيه إسترليني
4.28 دينار أردني
0.06 جنيه مصري
3.47 يورو
3.04 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

"غزة مُباشــر".. ثلاثـة شُهــداء في 8 خُروقـات إسـرائيليـة جديـدة لـ "الهُدنـة"

من التستر إلى الإسناد.. هكذا أصبح جيش الاحتلال قبضة حديدية للمستوطنين

الأسرى في سجون الاحتلال.. معاناة بلا نهاية وانتهاك للقانون الدولي

حجم الخط
الأسرى في سجون الاحتلال
غزة – فاتن عياد الحميدي – وكالة سند للأنباء

خلف الزنازين الباردة التي لا يصلها الضوء، يقف الزمن عند لحظة قاسية لا تنتهي، عشرات آلاف الفلسطينيين يقبعون خلف الأبواب الحديدية للاحتلال الإسرائيلي، محرومين من أبسط مقومات الكرامة الإنسانية، في انتهاك صريح للقانون الدولي والقانون الإنساني.

قبل حرب الإبادة في السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، لم تكن حياة الأسرى في السجون الإسرائيلية سهلة، لكنها كانت أقل حدة من المرحلة التي تلت هذا التاريخ.

إذ تصاعدت الانتهاكات منذ ذلك الحين، وانتقلت الحرب من خارج السجون إلى داخلها، لتصبح معركة يومية لا تقل ضراوة عن الصراع الخارجي.

خلال هذه الفترة، فرض الاحتلال عقوبات لا إنسانية ولا قانونية على الأسرى الفلسطينيين، مستهدفًا الحلقة الأضعف دون رادع، في تجاهل كامل للقواعد الدولية التي تكفل حقوق المحتجزين.

وسط هذا الواقع القاسي، يواصل الأسرى الفلسطينيون معركتهم اليومية للحفاظ على حياتهم، بينما تظل قصصهم شاهدة على معاناة لا يجوز للعالم أن يبقى مكتوف الأيدي أمامها.

وفي هذا التقرير، تستعرض "وكالة سند للأنباء" شهادات قاسية لأسرى فلسطينيين تعرضوا لتعذيب ممنهج داخل السجون، مع تحليل قانوني يقدمه مدير الدائرة القانونية في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، موضحًا مدى مخالفة هذه الانتهاكات للقانون الدولي والإنساني.

العذاب الذي لم ينتهِ بالحرية ..

تُظهر شهادة الأسير المحرر عبد الله فرحان، من مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، حجم الإجرام الإسرائيلي بحق الأسرى الفلسطينيين، خاصة معتقلي غزة.

بدأت رحلة العذاب مع "فرحان" منذ اللحظات الأولى للاعتقال، حيث تعرض للضرب والاعتداء، وحُرم من الطعام لمدة خمسة أيام.

بعد ذلك، نُقل إلى معسكر العذاب "سيديه تيمان" لشهرين ونصف، وكان يحصل يوميًا على قطعتين من الخبز العفن التي لا تكفي لإشباع جوعه.

في سجن النقب، كان يُوزع لكل أسير أربع قطع صغيرة من الخبز، بينما تُعطى بيضة واحدة لكل أربعة أسرى، ما أدى إلى فقدان "فرحان" أكثر من 10 كيلوجرامات من وزنه.

خلال 21 شهرًا قضاها في السجون، لم يتمكن من تبديل ثيابه إلا مرتين، وحُرم هو والأسرى الآخرون من الخروج لـ"الفورة" لمدة ستة أشهر، ليبقوا في زنزانة مكتظة مظلمة يُقاسون فيها قسوة الحياة خلف القضبان.

ولم تنتهِ معاناته مع الإفراج، فـ"فرحان" يعاني حتى اليوم مشاكل صحية في المعدة نتيجة التعذيب والحرمان من الطعام الجيد، ويحتاج إلى عملية جراحية قريبًا.

ويؤكد أن الأثر النفسي للتجارب التي مر بها داخل السجون سيرافقه مدى حياته، شاهداً على العذاب المستمر الذي مارسته إدارة السجون الإسرائيلية.

ولا يختلف حال المحررة أسماء شتات عن تجربة الأسير عبد الله فرحان، فالاحتلال لا يفرق بين رجل أو امرأة، طفل أو شيخ، في ممارسة التعذيب.

تعرضت "شتات" لصنوف متعددة من الانتهاكات، بدءًا من انتهاك حرمة حجاب النساء، مرورًا بحرمانها من العلاج بعد تعرضها للضرب المبرح، بسبب كونها من قطاع غزة.

إلى جانب ذلك خضعت للتفتيش العاري، وهو شكل آخر من أشكال التعذيب النفسي المهين، بالإضافة إلى الحرمان من أدنى مقومات النظافة داخل الزنازين، وعمليات القمع المتكررة، ومصادرة الملابس الداخلية للأسيرات.

تقول "شتات"، بعد تنهيدة استجمعت فيها ألم التجربة: "لم أتمكن من وضع المشط على شعري لتسريحه طوال 6 أشهر".

وتحدثت عن نوع آخر من التعذيب، تمثل في حرمان الأسيرات من الفوط النسائية الكافية أثناء الدورة الشهرية، والحرمان من الأغذية، الأحذية، الصابون، معدات النظافة الشخصية، الملابس، واللباس الخاص بالصلاة.

على صعيد الغذاء، خسرت "شتات" 10 كيلوجرامات من وزنها خلال الأيام العشرة الأولى من الاعتقال، مشيرة إلى أن إدارة السجون تحسب وجبة الطعام بالجرامات لكل أسير أو أسيرة، والتي لا تكفي لإشباع حتى العصافير.

كانت زنزانتها أشبه بالقبر، لا تتعدى 4 أمتار، تحوي 13 أسيرة، مع 6 أبراش حديدية متهالكة، وسحب الفراش والغطاء عن الأسيرات، كما حُجزت لاحقًا في زنزانة أصغر بمساحة 3 أمتار مع 7 أسيرات أخريات.

من جانبه يوضح مدير الدائرة القانونية في هيئة شؤون الأسرى والمحررين، جميل سعادة، أن إدارة سجون الاحتلال الإسرائيلي لا تكترث لأي قوانين أو مواثيق دولية تكفل حقوق الأسرى الفلسطينيين داخل المعتقلات، رغم التماسات وشكاوى مؤسسات الأسرى والمحامين والمؤسسات الحقوقية والقانونية، والتي لم تسفر عن أي تحسين يُذكر.

ويشدد سعادة أن جميع العقوبات التي فُرضت على الأسرى خلال عامي الإبادة الماضيين، مثل سحب المقتنيات، زيادة أعداد المعتقلين في الزنازين، الحرمان من الطعام والعلاج هي حقوق مكفولة في لوائح إدارة السجون، لكن لم يتم تطبيقها عمليًا.

ويوضح، وفق القانون الدولي واتفاقيتي جنيف الثالثة والرابعة، أنه يُفترض على الدولة الحاجزة توفير أماكن لائقة للمحتجزين، ومعاملتهم معاملة إنسانية تليق بآدميتهم، تشمل توفير الطعام الكافي، العلاج الطبي، والسماح بلقاء المحامين والتواصل مع العائلات، وهو ما تمنعه إدارة السجون.

ويشير إلى أن المادة 76 من اتفاقية جنيف الرابعة تُلزم باحتجاز المعتقلين في ظروف إنسانية، بينما يحتجز الاحتلال الأسرى في ظروف مهينة تشبه ما يُقدَّم للحيوانات.

وتنص المادة 20 من قواعد مانديلا على حق الأسير في غذاء كافٍ وصحي، لكن الواقع مختلف، فإدارة السجون تقدم للأسرى ثلاث وجبات يوميًا لا تتجاوز 250 جرامًا، قد تشمل طعامًا فاسدًا أو عفنًا، وفق ضيفنا.

ويلفت إلى المؤسسات الحقوقية قدمت شكاوى وتم الالتماس لدى المحكمة العليا الإسرائيلية لتحسين الطعام، وصدر قرار منذ 3 أشهر بتقديم كميات كافية، لكن إدارة السجون ما زالت تتعنت في تنفيذه.

الاكتظاظ داخل الزنازين 

قبل حرب غزة، كانت الزنازين المكتظة تضم 12 إلى 15 أسيرًا، وقد أصدرت المحكمة العليا قرارًا لتقليل العدد إلى 8 أسري في الزنزانة الواحدة، إلا أن الاحتلال لم يلتزم، وبعد السابع من أكتوبر أصبحت الزنزانة الواحدة تضم 25 أسيرًا، في شكل جديد من العقوبات الجماعية.

وتقدم المحامون والشكاوى بحق ممارسات المؤسسة العسكرية الإسرائيلية واعتداء الجنود، لكن المؤسسة العسكرية ماطلت ولم تُعلن نتائج التحقيقات، فيما تزداد الاعتداءات بدلًا من الانخفاض.

ولم تقتصر الجهود على المؤسسات المحلية، بل تم تقديم التماسات عبر القنوات الدبلوماسية الفلسطينية والصليب الأحمر للأمم المتحدة، بهدف السماح بزيارات دولية للأسرى، لكن لم تُستجب هذه الطلبات، وقوبل التماس السماح للصليب الأحمر بالرفض من المحكمة العليا الإسرائيلية.

أسرى غزة يعيشون أقسى الظروف

ويكشف سعادة أن الظروف الأشد قسوة كانت في السجون التي أنشئت حديثًا لمعتقلي غزة، حيث وصفت زيارات المؤسسات القانونية أماكن الاحتجاز بأنها أشبه بما يُقدَّم للحيوانات، مع تعذيب جسدي وجنسي وتجويع ممنهج.

ولم تتمكن المؤسسات القانونية من زيارة أسرى غزة إلا بعد عام من حرب الإبادة، بعد صدور قرار من المحكمة العليا بالسماح لهم بذلك.

ويشير سعادة إلى أن "إسرائيل" لا تزال تمنع المؤسسات الدولية والصليب الأحمر من الاطلاع على ظروف الأسرى، وحتى إذا سمح لهم بالزيارة، فإن قدرتهم على تحسين الوضع محدودة جدًا بسبب القرارات والأوامر الصادرة عن إدارة الأمن الداخلي الإسرائيلي.