يفضح قرار إسقاط التهم عن جنود إسرائيليين متهمين باغتصاب أسير فلسطيني هشاشة الركيزة الأساسية التي استندت إليها دولة الاحتلال الإسرائيلي في دفاعها أمام محكمة العدل الدولية ضد اتهامات الإبادة الجماعية، ويقوض بشكل مباشر ادعاءها بامتلاك نظام قضائي “قوي ومستقل” قادر على محاسبة الانتهاكات داخليًا دون تدخل دولي.
إذ يكشف التطور الأخير، الذي تمثل في إسقاط المدعي العسكري العام إيتاي أوفير التهم عن خمسة جنود رغم وجود أدلة مصورة وتقارير طبية توثق إصابات خطيرة للضحية، عن خلل جوهري في منظومة العدالة الإسرائيلية، ويطرح تساؤلات جدية حول مصداقية المرافعات التي قدمتها تل أبيب أمام المحكمة في لاهاي.
ويستند الموقف الإسرائيلي منذ بداية القضية إلى فرضية أن القضاء المحلي قادر على التحقيق في أي تجاوزات ومحاسبة المسؤولين عنها، وهو ما عبّر عنه المحامي البريطاني مالكولم شو خلال جلسات يناير 2024، حين أكد أن أي انتهاك محتمل سيتم التعامل معه عبر النظام القضائي الإسرائيلي “القوي والمستقل”، في محاولة لنزع مبرر التدخل الدولي.
ويسقط هذا الادعاء عمليًا مع قرار إسقاط التهم، الذي جاء رغم خطورة الوقائع وحجم الأدلة، ما يعزز الانطباع بأن المنظومة القضائية تعمل كأداة حماية للجنود، لا كآلية مساءلة.
وينسجم ذلك مع تقييمات سابقة لمنظمات حقوقية إسرائيلية، أبرزها “بتسيلم”، التي وصفت النظام القضائي بأنه يوفر “مظهرًا لإنفاذ القانون” بينما يضمن إفلات المسؤولين عن الانتهاكات بحق الفلسطينيين من العقاب.
كشف عمق الأزمة
يكشف الترحيب السياسي الواسع بالقرار عمق الأزمة، حيث سارع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى وصف القضية بأنها “افتراء دموي”، وأشاد بالجنود المتهمين باعتبارهم “محاربين أبطالًا”، فيما ذهب وزير الجيش يسرائيل كاتس إلى أبعد من ذلك، عبر استقبالهم رسميًا والدفع لإعادتهم إلى الخدمة العسكرية.
ويؤكد هذا الموقف السياسي أن القرار القضائي لا ينفصل عن السياق العام للسلطة الحاكمة، بل يعكس توجهًا رسميًا لحماية الجنود حتى في قضايا خطيرة، وهو ما يقوض بالكامل حجة استقلال القضاء التي استخدمتها إسرائيل في لاهاي.
ويفسر هذا التناقض تصريح ساري باشي، المديرة التنفيذية للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، التي اعتبرت أن القرار يمنح الجنود “رخصة للاغتصاب” طالما أن الضحية فلسطينية، في إشارة إلى ازدواجية المعايير داخل النظام القضائي.
ويتجاوز تأثير هذا القرار القضية الفردية ليطال مجمل الدفاع الإسرائيلي أمام محكمة العدل الدولية، حيث تتهاوى تباعًا الركائز التي بنت عليها تل أبيب مرافعتها.
وتظهر أولى هذه الانهيارات في ملف أعداد الضحايا، بعدما شككت دولة الاحتلال في أرقام وزارة الصحة في غزة، قبل أن يقر جيشها لاحقًا بدقتها إلى حد كبير، بينما أشارت دراسات علمية إلى أن الأرقام قد تكون أقل من الواقع.
ةيمتد التآكل إلى ادعاءات استخدام المستشفيات لأغراض عسكرية، وهي الرواية التي كررتها دةلة الاحتلال أمام المحكمة دون تقديم أدلة حاسمة، قبل أن يؤكد مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة عدم وجود معلومات كافية تثبت هذه المزاعم.
قيود المساعدات الإنسانية
يتسع الانكشاف ليشمل ملف المساعدات الإنسانية، حيث ادعت سلطات الاحتلال عدم وجود قيود على إدخال الإمدادات إلى غزة، في حين وثقت منظمات دولية، بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية، استخدام التجويع كسلاح حرب، بالتوازي مع قرارات رسمية بمنع دخول السلع، ما أدى إلى إعلان المجاعة في القطاع.
ويبرز التناقض الأكبر في مسألة النية، إذ نفت دولة الاحتلال أمام المحكمة وجود أي توجه لإبادة جماعية، مؤكدة التزامها بحماية المدنيين، بينما تقوض تصريحات قادتها هذا الادعاء بشكل مباشر.
ويظهر ذلك في تصريح وزير الجيش السابق يوآف غالانت الذي تحدث عن فرض حصار كامل على غزة، واصفًا الفلسطينيين بعبارات تحمل دلالات تجريدية.
وتتواصل هذه اللغة في تصريحات لاحقة لقادة عسكريين وسياسيين، تحدثوا عن تدمير شامل للقطاع وغياب أي أفق لمستقبله، ما يعزز استنتاجات تشير إلى وجود خطاب يتجاوز العمليات العسكرية إلى مستوى التدمير المنهجي.
ويتوج هذا المسار بتصريحات وزير الجيش يسرائيل كاتس، الذي أكد صراحة أن دور النظام القانوني العسكري هو حماية الجنود لا حماية حقوق الفلسطينيين، ما يشكل اعترافًا مباشرًا بنسف الادعاء الذي قدمته دولة الاحتلال أمام المحكمة بشأن استقلال القضاء.
ويكشف هذا التراكم من الوقائع أن الدفاع الإسرائيلي في قضية الإبادة الجماعية لم يعد قائمًا على أسس متماسكة، بل بات يواجه انهيارًا تدريجيًا نتيجة التناقض بين الخطاب الرسمي والممارسة الفعلية على الأرض.
ويضع هذا الواقع محكمة العدل الدولية أمام معطيات متزايدة تشير إلى عجز النظام القضائي الإسرائيلي عن القيام بدوره، ما يعزز مبررات التدخل الدولي، ويقرب القضية من نقطة حاسمة في مسارها القانوني.
كما يرسخ مجمل التطورات صورة دولة تعتمد على منظومة قانونية لحماية روايتها السياسية، لا لتحقيق العدالة، في وقت تتكشف فيه الوقائع الميدانية لتقوض هذا الادعاء، وتفتح الباب أمام مساءلة دولية أوسع.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع ميدل إيست آي أضغط هنا
