يُعد استخدام دولة الاحتلال الإسرائيلي واسع النطاق للتعذيب عنصرًا أساسيًا في سياساتها تجاه الفلسطينيين، وفق ما توثقه تقارير حقوقية وشهادات معتقلين، بحيث لا يقتصر هذا الاستخدام على الانتهاكات الجسدية، بل يمتد إلى ممارسات تهدف إلى تقويض قدرة المجتمع الفلسطيني على الاستمرار.
وأبرز موقع MondoWeiss الإخباري الدولي، أن ممارسات التعذيب داخل سجون الاحتلال لا تقتصر على القتل المباشر، بل تشمل أنماطًا متعددة من العنف، من بينها التعذيب الممنهج والعنف الجنسي، التي تُستخدم كوسائل ضغط وكسر للإرادة الفردية والجماعية.
وأشار إلى أن دولة الاحتلال أنشأت منظومة احتجاز تشمل مراكز وسجونًا تُتهم بممارسة التعذيب بشكل منتظم، بما في ذلك احتجاز الأطفال في ظروف قاسية، حيث يتم اعتقالهم تعسفيًا وتعريضهم للضرب والتجويع، في انتهاك واضح للمعايير الدولية.
وتوثق شهادات حالات فردية، من بينها وفاة معتقلين نتيجة الإهمال أو سوء المعاملة، ما يعكس خطورة الأوضاع داخل هذه المرافق، ويثير تساؤلات حول مستوى الرقابة والمحاسبة.
العنف الجنسي كأداة ضغط
تشير دراسات وأبحاث إلى أن العنف الجنسي ضد الفلسطينيين يمتد تاريخيًا إلى ما قبل عام 1948، حيث تم توثيق حوادث اغتصاب وانتهاكات ارتكبها جنود خلال الحرب، في سياق استخدام الجسد كوسيلة للهيمنة والسيطرة.
كما تم تطوير أساليب تهديد واستغلال ذات طابع جنسي، تُستخدم في عمليات التحقيق والتجنيد القسري، ضمن ما يُعرف بأساليب الضغط الاستخباري.
وخلصت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة في تقارير صادرة عام 2025 إلى أن دولة الاحتلال استخدمت العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي كوسيلة حرب، سواء عبر أوامر مباشرة أو ضمن بيئة تسمح بتكرار هذه الممارسات.
كما أشار تقرير للمقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز إلى وجود نمط مستمر من “الإرهاب النفسي”، يهدف إلى تقويض كرامة الفلسطينيين ودفعهم نحو مغادرة أراضيهم، معتبرًا أن التعذيب والعنف الجنسي يمثلان مؤشرات على نية تدميرية أوسع.
شهادات من داخل السجون
نشرت منظمة بتسيلم شهادات لمعتقلين سابقين ضمن تقارير بعنوان “العيش في الجحيم” و”مرحبًا بكم في الجحيم”، توثق تعرضهم لاعتداءات جسدية وجنسية داخل السجون.
وتتضمن هذه الشهادات روايات عن الضرب المبرح، والتقييد، والتعذيب بأدوات مختلفة، إلى جانب حالات اغتصاب واعتداءات مهينة، تُنفذ أحيانًا عند وصول المعتقلين إلى مراكز الاحتجاز.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 10 آلاف فلسطيني تم اعتقالهم منذ عام 2023، في سياق تصاعد العمليات العسكرية، ما يضاعف من حجم الانتهاكات المحتملة.
وفي إحدى الحالات الموثقة، تعرض معتقل لاعتداء أدى إلى إصابات خطيرة، بما في ذلك كسور وتمزقات داخلية، فيما تم إسقاط التهم لاحقًا عن الجنود المتورطين، ما أثار انتقادات بشأن غياب المحاسبة.
إطار قانوني دولي
يؤكد القانون الدولي أن العنف الجنسي قد يرقى إلى جريمة إبادة جماعية إذا تم استخدامه بقصد تدمير جماعة بشرية.
في عام 1998، قضت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا بأن الاغتصاب يمكن أن يُصنّف كجريمة إبادة جماعية إذا استُخدم بشكل منهجي لتحقيق هذا الهدف. كما تبنت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة المعايير ذاتها في قضايا لاحقة.
وتشير هذه السوابق القانونية إلى أن تدمير القدرة الجسدية والنفسية لجماعة ما، بما في ذلك قدرتها على الاستمرار، يدخل ضمن تعريف الإبادة الجماعية وفق القانون الدولي.
وتعكس المعطيات الواردة في التقارير الحقوقية نمطًا من الانتهاكات التي تتجاوز الأذى الفردي، لتطال البنية الاجتماعية والنفسية للفلسطينيين.
وتشير هذه الوقائع إلى أن التعذيب والعنف الجنسي يُستخدمان كأدوات منهجية ضمن سياق أوسع من الصراع، في ظل غياب مساءلة فعالة، ما يثير مخاوف متزايدة بشأن استمرار هذه الممارسات وتداعياتها على المدى الطويل.
ولا تقتصر الإبادة الجماعية على المقابر الجماعية فحسب، بل تتطلب تدميرًا متعمدًا لقدرة شعب على الاستمرار من خلال أجسادهم، وكرامتهم، وإرادتهم في إنجاب الجيل القادم.
وما فعلته دولة الاحتلال بأجساد الفلسطينيين في سجونها ومراكز احتجازها، بشكل ممنهج، وبأوامر، وموثق بالفيديو، ودون أي محاسبة، يندرج تحت هذا التعريف.
وهكذا تبدو الإبادة الجماعية عندما لا تنتهي في لحظة، بل تتغلغل في الجسد مرارًا وتكرارًا. القنابل والرصاص تُعلن عن نفسها، لكن هذا العنف أكثر هدوءًا، وأكثر حميمية، ولا يقل فتكًا. إنه يمزق شعبًا من الداخل، وهذا هو لبّ الموضوع.
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع MondoWeiss أضغط هنا
