في خطوة تحمل أبعادًا سياسية ودينية عميقة، تعتزم سلطات الاحتلال فتح ساحة حائط البراق في 5 أبريل/نيسان أمام 50 حاخامًا لأداء "بركة الكهنة" بمناسبة عيد الفصح اليهودي، بالتزامن مع استمرار إغلاق للمسجد الأقصى للشهر الثاني على التوالي، في سابقة هي الأشد منذ احتلال القدس عام 1967.
وبحسب ما أعلنته محافظة القدس، يأتي القرار في ظل "حالة الطوارئ" التي فرضتها سلطات الاحتلال منذ 28 فبراير/شباط 2026، مع بدء الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
حيث أعلنت الحكومة الإسرائيلية في صباح ذلك اليوم إغلاق المسجد الأقصى، وشرعت قواتها بطرد المصلين ومنع الدخول إليه بشكل كامل.
دلالات التوقيت
مدير دائرة الإعلام في محافظة القدس، عمر رجوب، يقول، لـ "وكالة سند للأنباء"، إن توقيت السماح للحاخامات بالوصول إلى حائط البراق يحمل دلالات سياسية، خاصة أنه يتزامن مع استمرار إغلاق المسجد الأقصى وفي ذروة مناسبات دينية إسلامية ومسيحية.
وأوضح "رجوب" أن هذا القرار يأتي في وقت تفرض فيه قوات الاحتلال طوقًا مشددًا على المسجد الأقصى ومحيطه، بما في ذلك البلدة القديمة، مع منع الدخول إلا لسكانها.
وأكد أن هذه الإجراءات أدت إلى تعطيل كامل للشعائر الدينية، بما فيها صلوات الجمعة والجماعة والتراويح، وحرمان الفلسطينيين من الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، وصلاة ليلة القدر وعيد الفطر.
وأضاف أن ما يجري لا يمكن اعتباره إجراءً إداريًا عابرًا، بل هو جزء من سياسة تقوم على منح تسهيلات دينية لطرف مقابل فرض إغلاق شامل على طرف آخر، ما يعكس تناقض الرواية الإسرائيلية التي تبرر الإجراءات بدواعٍ أمنية.
وأشار إلى أن فتح البراق أمام الحاخامات يتجاوز كونه طقسًا دينيًا، ليشكل محاولة لتثبيت حضور توراتي علني ومنظم في محيط الأقصى، ضمن سياق تصاعد نفوذ التيارات الدينية الإسرائيلية.
مساع لفرض واقع جديد
وفي سياق متصل، يتزامن هذا القرار مع تصاعد دعوات جماعات الهيكل المزعوم لاقتحامات جماعية للمسجد الأقصى خلال عيد الفصح بين 2 و9 أبريل/نيسان، وسط تحريض متزايد شمل نشر مقاطع مصورة تحاكي تقديم قربان الفصح داخل المسجد.
وتسعى هذه الجماعات إلى استغلال الإغلاق الحالي للمطالبة بسحب صلاحيات إدارة المسجد من الأوقاف الإسلامية، وتسليمها لما تُسمى "إدارة جبل الهيكل"، في إطار مساعٍ لفرض تقسيم زماني ومكاني داخل المسجد.
وبالتوازي، تتسارع داخل الكنيست الإسرائيلي محاولات تمرير قانون الحائط الغربي، الذي يمنح الحاخامية الكبرى صلاحيات واسعة على الأماكن المقدسة، بما يشمل ساحات المسجد الأقصى الممتدة على مساحة 144 دونمًا.
خرق قانوني وتكريس للتمييز الديني
ويرى مختصون أن السماح بأداء طقوس دينية في ساحة البراق، مقابل الإغلاق الكامل للمسجد الأقصى، يمثل خرقًا واضحًا لمبدأ حرية العبادة المكفول في القانون الدولي الإنساني، ويعكس سياسة تمييزية ممنهجة.
وتشير التقديرات إلى أن هذه الإجراءات لا تندرج ضمن تدابير طارئة، بل تعكس توجهًا سياسيًا وأيديولوجيًا لفرض سيادة دينية انتقائية في القدس، بما يهدد الوضع التاريخي والقانوني القائم.
إسرائيل الكبرى
من جانبه، قال المختص في شؤون القدس محمد هلسة لـ "وكالة سند للأنباء"، إن ما يجري يأتي في سياق أوسع من التحولات في السلوك الإسرائيلي، حيث لم تعد "إسرائيل" تتعامل بمنطق الدبلوماسية، بل تتبنى نهجًا مباشرًا وخاليًا من المهادنة.
وأوضح هلسة أن تعدد الجبهات المفتوحة، من غزة إلى إيران ولبنان، ترافق مع إغلاق المسجد الأقصى وفرض إجراءات غير مسبوقة، تعكس صعود فكرة إسرائيل الكبرى والانتقال من القضم الناعم إلى فرض الوقائع بالقوة.
وأضاف أن الاحتلال تمضي في سياساتها دون خشية من ردود فعل حقيقية، مستشهدًا بإجراءاتها المتواصلة، من إغلاق الأقصى إلى العمليات العسكرية الواسعة، في ظل غياب ردع فعلي.
وأشار إلى أن سلطات الاحتلال تميز في تعاملها مع الرموز الدينية، إذ تحسب حسابًا لردود الفعل الغربية، كما حدث في حادثة منع قسيس من دخول كنيسة القيامة، بينما لا ترى أي ثمن يُدفع عند المساس بالمسجد الأقصى والرموز الإسلامية.
