حاملًا عينه الاصطناعية على كفّه، خرج الصحفي الجريح معاذ عمارنة من سجن "عوفر" في التاسع من أبريل/نيسان الجاري، بعد اعتقال ثانٍ خلال عامين ونصف، ليحمل معه شهادة حيّة عن تحوّل السجون إلى فضاءات أكثر قسوة منذ بدء حرب الإبادة.
في يوم الأسير الفلسطيني، الذي يصادف 17 أبريل/نيسان من كل عام، تبدو روايات الأسرى المحررين المصدر شبه الوحيد لكشف ما يجري خلف القضبان، في ظل عزلة تامة تفرضها سلطات الاحتلال على السجون منذ بداية الحرب.
في هذه السطور، تلتقي "وكالة سند للأنباء"، مع الأسير المحرر الصحفي معاذ عمارنة، بعد أيام من الإفراج عنه من سجون الاحتلال، لتنقل شهادته عن ظروف الاعتقال، تزامنًا مع يوم الأسير الفلسطيني، في تغطية شاملة وخاصة ضمن ملف "الأسرى الفلسطينيون.. المعذبون المنسيون".

معاناة متراكمة..
عمارنة، وهو من بيت لحم جنوب الضفة الغربية، فقد عينه اليسرى عام 2019 برصاص الاحتلال خلال تغطيته مواجهات في بلدة صوريف شمال غربي الخليل، واستُبدلت بعين اصطناعية. لكن داخل السجن، لم تسلم هذه العين من الإهمال، إذ تعرضت لالتهابات حادة نتيجة انقطاع الدواء، ما أدى إلى خروجها من محجرها.
اعتُقل عمارنة في الأيام الأولى للحرب على غزة في 16 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وحُوّل إلى الاعتقال الإداري قبل الإفراج عنه في يوليو/تموز 2024، ثم أُعيد اعتقاله في أغسطس/آب 2025، ليقضي أكثر من 7 أشهر إضافية في الاعتقال الإداري.
يقول عمارنة لـ "وكالة سند للأنباء": "لا أحد يعرف قسوة السجون بعد حرب الإبادة إلا من جرّبها"، مضيفًا أن كثيرين كانوا يظنون أن الحديث عن معاناة الأسرى مبالغ فيه، "حتى اختبروه بأنفسهم".
وبالمقارنة بين تجربتيه، يؤكد أن الأوضاع تتدهور بشكل متسارع، وأن "كل يوم يمر على الأسرى أصعب من الذي قبله".
ويضيف: "في بداية الحرب كانت الأقسام مغلقة وسُحبت منها الكهربائيات فقط، لكن الانتهاكات تصاعدت تدريجيًا حتى لم يبقَ للأسرى شيء".
ويرى أن من لم يختبر الاعتقال بعد مطلع عام 2026 "لم يعرف السجون بعد"، في إشارة إلى التحولات القاسية في ظروف الاعتقال، من حيث الإذلال اليومي والتعذيب النفسي والجسدي.
تعذيب نفسي لا يتوقف
يؤكد عمارنة أن العنف الجسدي كان السمة الأبرز في بداية الحرب، بينما بات التعذيب النفسي اليوم هو الأشد حضورًا واستمرارًا.
ويشرح: "الضرب ينتهي بعد ساعات، لكن التعذيب النفسي لا يتوقف"، مضيفًا أن الأسرى يعيشون على وقع الصراخ والشتائم وسبّ الدين على مدار الساعة.
ويشير إلى أن مزاجية السجانين تتحكم بأبسط تفاصيل حياة الأسرى، حيث قد يُحرم الأسير من حقوقه دون سبب.
ويضيف: "كنا نسمعهم يقولون إن الأسرى يجب أن يموتوا، وأن تُسحب منهم الفرشات والملابس ليناموا على الأرض".
ومن مظاهر الإهانة، وفق ضيفنا، حلق شعر الأسير بالكامل فور دخوله السجن، دون استثناء.

السجون تتحول إلى "ثلاجات"
داخل سجن "عوفر"، يصف عمارنة البرد بأنه "قاسٍ إلى حد غير متخيّل".
يقول: "في اعتقالي الأول في مجدو كنا بملابس صيفية، أما في عوفر فالوضع مختلف تمامًا.. البرد قارس ولا ملابس ولا أغطية كافية، والنوافذ بلا زجاج".
ويضيف: "لم أتخيل أن أصل إلى مرحلة تجمّد الأصابع"، مشيرًا إلى تغير لون جلده وظهور بقع دم تحت الجلد، فيما عانى أسرى آخرون من تورم في الأطراف.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ سُحبت الفرشات والأغطية يوميًا لساعات طويلة، في سياسة استمرت حتى بعد انتهاء شهر رمضان.
علاج مؤجل ومعاناة مستمرة..
يوضح عمارنة أن العلاج داخل السجون "غير منتظم"، إذ قد يزور الطبيب الأسرى دون تقديم دواء، أو يُمنح العلاج بشكل متقطع.
ويضيف: "كنا نشعر أنهم يتعمدون ترك الأسير يعاني أطول فترة ممكنة قبل العلاج"، مؤكدًا أن المشكلة لا تتوقف عند تأخير العلاج، بل تمتد إلى عدم استكماله، ما يعيد المرض والمعاناة من جديد.
وبالنسبة لعينه المصابة، يقول إن إدارة السجن لا تعتبرها حالة مزمنة، رغم حاجتها لعلاج دائم، ولا توفر الدواء إلا بعد تفاقم الوضع.
نتيجة لذلك، أصيب بالتهابات شديدة وتورم في الوجه، قبل أن يتمكن من عرض نفسه على طبيب خلال جلسة محكمة.
ويروي: "بعد أيام من استخدام المرهم بدأ الالتهاب يخف، لكن عندما لمست عيني سقطت العين الاصطناعية".
ويرى أن مجرد حصوله على علاج في تلك اللحظة "كان حظًا"، متسائلًا عن حال الأسرى الذين لا تتاح لهم فرصة الوصول إلى طبيب.
تمديد الاعتقال والرقابة بعد الإفراج
أنهى عمارنة فترة اعتقاله الإداري قبل عيد الفطر بيومين، لكن الاحتلال مدده 22 يومًا إضافيًا تحت بند "تمديد طوارئ" التي تزامنت مع الحرب على إيران.
وفيما وُجهت له تهمة التحريض في اعتقاله الأول قبل تحويله للإداري، كانت التهمة في اعتقاله الثاني "العمل الإعلامي بما يضر دولة الاحتلال"، لينتهي الأمر مجددًا بالاعتقال الإداري.
وقبيل الإفراج عنه، زاره طبيب السجن وقدم له العلاج، فيما حذره ضابط الإفراجات من أن الاحتلال سيتابع ما سيقوله وينشره لاحقًا.
عزلة وأمل..
يؤكد عمارنة أن الأسرى يعيشون في عزلة شبه كاملة، لا يعرفون ما يجري خارج السجون، بل ولا حتى في الأقسام المجاورة، ويقدّرون الوقت بشكل تقريبي.
ويضيف أن إدارة السجون تمنع إدخال أسرى جدد إلى الأقسام، لتفادي نقل أي معلومات.
ورغم ذلك، يتمسك الأسرى بالأمل، كما يقول: "كل يوم يزداد صعوبة، لكننا نؤمن أن باب السجن سيفتح يومًا ما".
ويختم: "حياة السجون قاسية جدًا، لكن الأمل بالحرية لا ينقطع".
49 صحفيًا أسيرًا لدى الاحتلال..
وخلال الحرب الممتدة منذ أكثر من عامين، كان الصحفيون في محور الاستهداف الدائم في الضفة الغربية، حيث اعتقل العشرات منهم على خلفية عملهم الصحفي وتحت بند "التحريض".
وفي بيان له اليوم، قال منتدى الإعلاميين الفلسطينيين إن نحو 49 صحفياً فلسطينياً ما زالوا معتقلين في سجون الاحتلال منذ بدء العدوان في أكتوبر 2023، ضمن سياسة اعتقال واستهداف متصاعدة طالت مئات الإعلاميين الفلسطينيين.
وطالب المنتدى بالإفراج الفوري عن جميع الصحفيين الأسرى في سجون الاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً أن استمرار اعتقالهم يشكل انتهاكاً لحرية الرأي والتعبير واستهدافاً للحقيقة.
وأضاف أن تقارير حقوقية دولية وثقت تعرض الصحفيين المعتقلين لانتهاكات جسيمة داخل السجون، شملت التعذيب وسوء المعاملة والحرمان من الحقوق الأساسية.
وتشير بيانات المؤسسات الحقوقية المختصة بأخبار وشؤون الأسرى، إلى أرقام صادمة؛ حيث بلغ إجمالي عدد الأسرى في سجون الاحتلال نحو 9600؛ بينهم قرابة الـ 3300 معتقل إداري و73 أسيرة ونحو 360 طفلًا.
