تشهد أسواق قطاع غزة أزمة نقدية خانقة وغير مسبوقة، باتت تُعرف بأزمة السيولة، حيث لم تعد قيمة العملات تُقاس بأسعارها الرسمية، بل بقدرتها على التداول الفعلي داخل السوق.
وفي قلب هذه الأزمة، يبرز الدينار الأردني، الذي طالما شكّل ملاذًا آمنًا للادخار، كأحد أكبر المتضررين، بعد أن تحوّل إلى عبء مالي يفرض خسائر قاسية على حامليه، فيما يصفه خبراء بأنه "ضريبة غير معلنة" تُفرض قسرًا على المواطنين.
وقال الباحث الاقتصادي أحمد أبو قمر لـ "وكالة سند للأنباء"، إن أسواق قطاع غزة تعيش اختلالًا نقديًا حادًا يتمثل في اتساع الفجوة بين السعر الرسمي للدينار الأردني وسعر تداوله الفعلي في السوق.
وأوضح أن سعر الدينار الأردني، الذي يبلغ رسميًا نحو 4.15 إلى 4.20 شيكل وفق شاشات سلطة النقد، لم يعد مقبولًا في معظم التعاملات التجارية داخل القطاع.
وأضاف "أبو قمر" أنه في حال قبوله، يتم صرفه بنحو 3 شواكل فقط، أي بفجوة تتجاوز شيكلًا كاملًا لكل دينار، ما يعني خسارة مباشرة تزيد عن 28% من قيمته، وهي نسبة مرتفعة لا يمكن تفسيرها اقتصاديًا في ظل استقرار سعر الدينار عالميًا وارتباطه بالدولار الأميركي.
ولفت إلى أن هذه الفجوة تترجم عمليًا إلى تآكل حاد في المدخرات، موضحًا أنه إذا افترضنا أن فردًا يحتفظ بـ 10 آلاف دينار، فإن قيمتها النظرية تبلغ نحو 41.5 ألف شيكل، بينما لا يحصل فعليًا عند تحويلها إلا على ما يقارب 30 ألف شيكل.
وبين أن الفرد يخسر قرابة 11,500 شيكل دفعة واحدة، مشددا على أن ما يجري ليس تقلبات سوق طبيعية، بل إعادة تسعير قسرية للأصول النقدية خارج الأطر الرسمية.
اختناق نقدي
وبيّن الباحث الاقتصادي، أن جوهر الأزمة لا يكمن في العملة نفسها، بل في هيكل السيولة داخل السوق، حيث يسيطر الشيكل على التداولات اليومية، ما يمنحه أفضلية سيولة واضحة، في وقت يعاني فيه الدينار من اختناق نقدي حاد.
هذا الواقع يدفع التجار إلى تسعيره بخصم كبير لتعويض مخاطر إعادة تداوله، خاصة في ظل ضعف الطلب عليه وصعوبة تصريفه.
وفي المقابل، يظل سعر الدينار عبر القنوات البنكية قريبًا من السعر الرسمي، ما يكشف عن فجوة عميقة بين السوق النقدي والنظام المالي، ويعكس حالة ازدواجية في التسعير تهدد استقرار المنظومة الاقتصادية ككل.
وتتعدد أسباب الاختناق النقدي في غزة، أبرزها شح السيولة النقدية "الكاش" الموردة إلى القطاع، مقابل طلب مرتفع على الشيكل، ما خلق ما يشبه "اقتصاد الندرة"، حيث لا تعكس الأسعار القيمة الحقيقية للعملة، بل مدى توفرها في السوق.
ورُصدت حالات رفض من قبل الصرافين لفئات ورقية معينة من الدينار، مثل فئة الـ50 دينار، بحجج تتعلق بصعوبة تصريفها أو انتهاء بعض إصداراتها، ما زاد من حالة الإرباك في الأسواق.
وتشير تقارير مطلع 2026 إلى استمرار القيود على إدخال السيولة النقدية إلى البنوك، الأمر الذي أدى إلى تعطّل السحوبات المصرفية بالعملات الورقية، وظهور ظاهرة بيع "الكاش" مقابل عمولات، في سلوك يعكس عمق الأزمة.
وامتدت تداعيات الأزمة إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث شهدت المعاملات الاقتصادية تحولات لافتة، إذ جرى استبدال الدينار بالشيكل في مهور الزواج وصفقات العقارات، تجنبًا لخسائر الصرف وتقلبات السوق.
وأجبر اختفاء الفئات النقدية الصغيرة الفكة من التداول، المواطنين على تحمل خسائر إضافية نتيجة تقريب الأسعار لصالح التجار.
ويحذر خبراء من أن استمرار هذا الوضع سيؤدي إلى تآكل متسارع في المدخرات المقومة بالدينار، ويقوّض الثقة بأي أداة ادخارية داخل القطاع.
