تتفاقم أزمة السيولة في قطاع غزة بشكل يتجاوز مجرد نقص النقد، لتصل إلى انهيار عميق في وظيفة المال داخل الاقتصاد، حيث فقد السوق قدرته على توليد الدخل وتدوير النقد نتيجة الحرب والقيود المفروضة، ما أدخل الاقتصاد في حالة شلل شبه كامل، وأصبح الحصول على "الكاش" معركة يومية ترتبط بإمكانية البقاء أكثر من ارتباطها بالنشاط الاقتصادي.
ويؤكد الخبير الاقتصادي أ.د. سمير مصطفى أبو مدللة، المحاضر في جامعة الأزهر بغزة، في تصريح تابعته "وكالة سند للأنباء"، أن الأزمة الحالية لا تعكس فقط تراجعاً في الدخل، بل تمثل انهياراً بنيوياً في النظام النقدي.
ويشر إلى أن تقديرات الأمم المتحدة والبنك الدولي تُظهر أن معدلات البطالة تجاوزت 77%، فيما ارتفعت معدلات الفقر إلى أكثر من 85% من السكان، وسط اعتماد شبه كلي على المساعدات الإنسانية كمصدر رئيسي للطلب في السوق.
ويضيف أبو مدللة أن جذور الأزمة تعود إلى القيود المفروضة على إدخال النقد منذ أكتوبر 2023، إلى جانب التحكم الإسرائيلي في تدفق العملة الورقية وفق بروتوكول اتفاق باريس الاقتصادي.
ويوضح أن تقييد إدخال السيولة الجديدة تزامن مع تآكل الكتلة النقدية المتداولة بفعل التلف دون تعويض كافٍ، ما أدى إلى اختناق مالي غير مسبوق داخل القطاع.
وفي ظل هذا الواقع، فقدت الأجور قيمتها الفعلية مع تراجع القدرة الشرائية بأكثر من 50% مقارنة بما قبل عام 2023، بالتزامن مع ارتفاع أسعار السلع الأساسية بنسبة تصل إلى 40% نتيجة تكاليف الاستيراد والنقل.
ومع اشتداد الأزمة، أعاد السوق تشكيل نفسه عبر التوسع في استخدام الدفع الإلكتروني والتحويلات البنكية كبديل اضطراري.
وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 70% من عمليات البيع تتم دون استخدام النقد، إلا أن هذا التحول لم ينهِ الأزمة بل نقلها إلى مرحلة أكثر تعقيداً عند الحاجة إلى السيولة النقدية الفعلية.
وفي هذا السياق، برزت سوق موازية تُعرف بـ"تسييل الرصيد"، حيث يتم تحويل الأموال الرقمية إلى نقد مقابل عمولات مرتفعة تتراوح بين 20% و30%، وفق مدللة.
ما حوّل النقد إلى سلعة تُباع وتُشترى، وفرض أعباء إضافية على المواطنين الذين يخسرون جزءاً من دخلهم لمجرد الوصول إلى أموالهم.
ويعاني اقتصاد غزة من اختلال هيكلي عميق، إذ يعتمد بأكثر من 80% على الاستيراد مقابل انهيار شبه كامل للإنتاج المحلي، ما يجعله غير قادر على توليد سيولة داخلية.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى البنية الاجتماعية، حيث تتآكل الطبقة الوسطى، وتضطر الأسر إلى تقليص الإنفاق لصالح الاحتياجات الأساسية.
وفي ظل تدمير البنية المصرفية، أصبح الوصول إلى النقد بالغ الصعوبة، بالتزامن مع اهتراء نسبة كبيرة من العملة المتداولة.
وأدت هذه العوامل إلى قفزة غير مسبوقة في استخدام وسائل الدفع الرقمية من نحو 10% قبل الحرب إلى قرابة 90% حالياً، وفق مدللة.
رغم ما تواجهه هذه المنظومة من تحديات مثل ضعف الإنترنت وانقطاع الكهرباء، إلى جانب انتشار عمليات الاحتيال الإلكتروني عبر منصات وهمية، ما يضعف الثقة بها.
من جانبه، قال الباحث الاقتصادي أحمد أبوقمر لـ"وكالة سند للأنباء" إن الأسواق في غزة تعاني من خلل واضح في التوازن بين العرض والطلب.
وأشار أن الكميات الواردة سوى نحو 25% من احتياجات السكان، ما يخلق فجوة تصل إلى 75% يتم تعويضها إما بارتفاع الأسعار أو تراجع الاستهلاك.
ولفت إلى مفارقة لافتة تتمثل في توجيه نحو 33% من الشاحنات إلى سلع ثانوية، رغم أن أكثر من 80% من السكان يعانون من البطالة و90% يعيشون تحت خط الفقر، ما يفسر الارتفاع الحاد في أسعار السلع الأساسية.
وأوضح أن السوق يشهد تقلبات حادة في الأسعار خلال فترات قصيرة، إذ قد تنخفض أسعار بعض السلع بنسبة تتراوح بين 20% و30% نتيجة الإغراق المؤقت، ثم ترتفع بأكثر من 50% عند حدوث نقص.
وأكد أن المشكلة لا تقتصر على نقص الكميات، بل تشمل سوء توزيعها، حيث يركز التجار على السلع الأعلى ربحاً، ما يفاقم أزمة السلع الأساسية ويترك المستهلك أمام خيارات محدودة وغير مستقرة.
