يحتمي أكثر من 40 ألف فلسطيني في مبانٍ متضررة ومعرضة للانهيار في قطاع غزة بفعل حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية، وسط تحذيرات من كارثة إنسانية مع اقتراب شتاء "كابوسي"، فيما يحذر الدفاع المدني من خطر يمكن تجنبه يتكشف أمام الجميع.
وينتشل عمرو عدس ما تبقى من ملابس عائلته من تحت أنقاض مبنى السعادة، بينما يسنده أصدقاؤه حتى لا ينهار. انهار المبنى على عائلات نازحة كانت تحتمي داخله، وبينهم زوجته وأطفاله الخمسة.
ويضع عدس قطع الملابس في كيس دقيق فارغ، قبل أن يصل إلى ملابس طفليه بلال، البالغ من العمر 6 سنوات، ودنيا، البالغة 12 عاماً، اللذين استشهدا عندما انهار المبنى قبل فجر الأربعاء، لينفجر بالبكاء.
ويرتفع صراخه من الجانب الشرقي للموقع، متداخلاً مع أصوات الجرافات التي تزيل الأنقاض من الجهة الغربية لليوم الثاني على التوالي. ويحاول الأصدقاء والجيران تهدئته بالكلمات وبآيات القرآن عن الصبر.
وقال عدس: " هذا نتيجة صمت العالم إزاء فنائنا. إنه غياب حتى أبسط أشكال الدعم لإيجاد مأوى آمن. إنه يجبرنا على قبول أي مكان نلجأ إليه، مهما كان خطيراً".
تحت الأنقاض
يجثو عدس، البالغ من العمر 37 عاماً، على ركبتيه في الموقع الذي أُنقذ منه، وسط الأنقاض والغبار، ويشير إلى المكان الذي كانت توجد فيه غرفة أطفاله.
واستشهد اثنان من أطفاله، فيما نجا ثلاثة: سما، 14 عاماً، وأصيبت بجروح متعددة؛ وملاك، 10 أعوام، وأصيبت بكسر في الحوض؛ ومنات الله، البالغ من العمر عاماً ونصف.
ويتذكر عدس أنه عندما بدأ المبنى بالانهيار عند الساعة 2:45 صباحاً، قفز لحماية طفلته الرضيعة، فيما كانت زوجته نوال، البالغة من العمر 32 عاماً، قد غطتها بجسدها.
ويقول إنه احتضنهما معاً بينما كان المبنى ينهار من حولهما، وراح يصرخ على بناته الأخريات في الغرفة المجاورة: "تعالين إلى هنا، تعالين إلى هنا".
وقال عدس: "استمر المبنى في الانهيار لبضع دقائق، وكان كل شيء يتساقط علينا، ولم أسمع سوى صوت الطوب والخرسانة. كنت أسمع صراخ أطفالي الأربعة في الغرفة المجاورة، لكنني لم أستطع الحركة، وبالكاد تمكنت من نطق بضع كلمات على أمل طمأنتهم".
وأضاف: "فجأةً، خيّم الصمت على المكان بعد انهيار المبنى، وتوقفت أصوات أطفالي الذين كانوا ينادونني، وخاصةً صوتَي الاثنين اللذين لقيا حتفهما".
وقال: "عندما انقطعت أصوات أطفالي، كانت تلك أقسى لحظة في حياتي، فقد كنت على بُعد أمتار منهم ولم أستطع إنقاذهم".
78% من مباني غزة متضررة
لا يمثل انهيار مبنى السعادة حادثة معزولة، إذ أظهر أحدث تحليل أجرته شركة يونوسات، استناداً إلى صور التُقطت في يوليو/تموز 2026، تضرر أو تدمير ما يقارب 78% من جميع المباني في غزة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، بما يشمل نحو 282,904 وحدات سكنية متضررة.
وكان محمد السوتري، البالغ من العمر 30 عاماً، موجوداً في الموقع بحثاً عن ممتلكات عائلته المتناثرة. وأصيبت زوجته بجروح متوسطة واضطرت إلى مغادرة المستشفى لأنها كانت ترضع ابنتهما الرضيعة مسك، البالغة من العمر شهرين.
وأصيبت ابنتهما الكبرى شام، البالغة 9 سنوات، بجروح خطيرة ونُقلت إلى العناية المركزة، فيما أصيبت ابنتاهما الأخريان بجروح.
وقال محمد: "سارعت بعض المؤسسات المحلية والدولية الآن إلى إزالة الأنقاض وانتشال الضحايا. ماذا لو تحركوا قبل ذلك ووفروا لنا مأوىً لائقاً؟ لقد حذرنا الجميع من المكان، لكن لم يقدم لنا أحد أي بديل، وتركونا في مبنى خطير".
وأضاف: "لا أعرف بعد ما إذا كانت ابنتي الكبرى ستنجو، ولا أعرف إلى أين سنذهب الآن، فكل ممتلكاتنا تحت الأنقاض".
وقال: "هذه جريمة ارتكبت على علم العالم أجمع، ويجب على الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية العاملة في غزة أن تتحرك فوراً لإجبار الاحتلال على السماح بدخول بيوت متنقلة، حتى نتمكن من العيش بكرامة ولو بسيطة".
وأضاف: "لا توجد بدائل، وإن وُجدت فهي مجرد خيام مهترئة مصنوعة من القماش أو البلاستيك. الآن لا نحلم إلا بسقف وجدران، حتى وإن كانت تنهار".
لا مكان لإعادة البناء
يمنع الحصار الإسرائيلي وصول مواد البناء التقليدية إلى قطاع غزة، ما يحرم السكان من سبل عملية لإعادة البناء. ومع استمرار النزوح، أصبحت أنقاض المباني المدمرة مأوى لعشرات الآلاف من العائلات.
ويعيش خالد شبات، البالغ من العمر 33 عاماً، على بعد مئات الأمتار من موقع الانهيار، في الطابق الرابع من مبنى الجامعة الإسلامية الذي تعرض للقصف، مع زوجته وأخته وأطفاله الأربعة.
ويفصل بينه وبين الممر الداخلي جدار معرض لخطر الانهيار، فيما يعاني المبنى سقفاً متصدعاً وحواف أرضية مفتوحة وخطيرة، إضافة إلى وجود صاروخ لم ينفجر في مكان قريب.
وينتقل شبات، العاطل عن العمل، منذ الأيام الأولى للحرب بين أماكن النزوح، ووصل عدد مرات انتقاله إلى 11 مرة عبر قطاع غزة، قبل أن يستقر في هذا المكان، الذي كان الوحيد غير المأهول المتاح عندما عاد من المواسي مع الهدنة الأخيرة في أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وقال: "دُمّرت منازلنا في بيت حانون، وهذه المنطقة الآن خلف الخط الأصفر. كان هذا الخيار المميت هو كل ما هو متاح لنا. نحن مستعدون للمغادرة إذا وفرت لنا المؤسسات المعنية مساكن متنقلة. أما الخيام؟ حاشا لله! لقد عشنا فيها أقسى أيامنا".
ويعتقد شبات أن الموت في مبنى أهون من الحياة في خيمة، بل يفضل الموت جراء القصف على الموت جراء الانهيار.
وقال: "لا نريد أن نقضي لحظات نشعر فيها وكأننا في مقبرة تُسمى مبنىً مُقصفًا. كل تفصيل يُشير إلى الموت، لكننا نتشبث بالحياة، ونعتبر البقاء في أي مبنى حياة، بينما الخيمة موتاً حقيقياً".
كابوس الشتاء
حذر محمود بصل، المتحدث باسم الدفاع المدني في غزة، من أن الشتاء المقبل سيكون "كابوساً"، مع ازدياد خطر انهيار المباني المدمرة بفعل الأمطار والرياح.
وقال إن أكثر من 40 ألف فلسطيني يعيشون في أكثر من 2000 مبنى مدمر وآيل للانهيار، مشيراً إلى أن حالتها الإنشائية تتطلب الهدم لا السكن.
وأوضح أن مبنى السعادة تعرض لقصف من طائرات إسرائيلية في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، وأن أكثر من 100 شخص سكنوا فيه خلال العام الماضي.
وقال إن بعض النازحين غادروا المبنى، فيما بقي آخرون نائمين حتى وقع الانهيار الكبير عند الساعة 2:45 صباحاً، وتمكن بعضهم من الفرار خلال لحظات، بينما حوصر آخرون تحت الأنقاض، ما أدى إلى وفاة وإصابة عدد منهم.
وذكر بصل أن فرق الدفاع المدني أنقذت 45 ناجياً بعد وصولها إلى الموقع بعد دقائق من الانهيار، مستخدمة الأيدي وأدوات بدائية ومن دون آليات.
وأضاف أن فرق الإنقاذ طلبت المساعدة من الوفد المصري، الذي وفر حفارات، فيما أحضر الصليب الأحمر حفارة عند الساعة السابعة صباحاً.
ولا تشغل فرق الدفاع المدني حالياً سوى 15 مركبة للإسعاف والإطفاء والإنقاذ، بعدما كان لديها نحو 75 مركبة قبل الحرب، كما لا تمتلك جرافات أو آليات ثقيلة.
ولا توفر مؤسسات الأمم المتحدة للسكان مأوى بديلاً سوى الخيام، التي يرفضها السكان باستمرار.
ويحتفظ الدفاع المدني بقائمة مفصلة بالمباني المعرضة للانهيار، ومعظمها مأهول بالسكان الذين يرفضون الإخلاء من دون توفير منازل متنقلة، وهو بديل ترفض سلطات الاحتلال السماح بدخوله إلى قطاع غزة، وفقاً لمؤسسات الأمم المتحدة.
وقال بصل إن إزالة المباني المعرضة للانهيار تتطلب قدرات غير متوفرة حالياً، لكنه وصف خطة تمتد عاماً واحداً ويمكن تنفيذها باستخدام نحو 50 قطعة من الآليات الثقيلة، إلى جانب توفير بديل مناسب للعائلات النازحة التي تعيش داخل تلك المباني.
ووصف بصل تقاعس المجتمع الدولي بأنه تواطؤ، متسائلاً: "ألسنا في غزة بشراً نستحق الحياة كغيرنا؟ لماذا هذا الصمت والضعف أمام الاحتلال؟ العالم متواطئ في هذه الجرائم".
لقراءة نص التقرير كاملا على موقع Mondoweiss أضغط هنا
