"سوق اليهود" في الخليل.. التاريخ وأصل الحكاية

حجم الخط
DGtYgUMWsAEntT-.jpg
أحمد البيتاوي- وكالة سند للأنباء

طالب وزراء وأعضاء كنيست من أحزاب "الليكود" و"شاس" و"تحالف اليمين" رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، السماح ببناء حي جديد في مجمع السوق اليهودي في الخليل.

وأوضحت صحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية أن الطلب تقدم به الوزراء وأعضاء الكنيست بمناسبة الذكرى الـ 90 لأحداث عام 1929، التي قُتل خلاها 67 يهوديًا على يد فلسطينيين في الخليل.

وتزعم الصحيفة أن الفلسطينيين استولوا بعد هذه الأحداث على أحد الأسواق التي كان يمتلكها اليهود، وسيطروا عليه إلى أن أغلقته سلطات الاحتلال بعد مجزرة الإبراهيمي عام 1994.

المدعي العام الإسرائيلي أصدر قبل 9 أشهر قرارًا أعلن فيه ملكية اليهود لهذا السوق.

سنحاول في هذا التقرير العودة للتاريخ لفهم أصل الحكاية لمعرفة ما يجري اليوم. فما قصة هذا السوق؟ وهل كان حقًا لليهود؟.

هُروبًا من المجزرة

أستاذ التاريخ في جامعة البوليتكنك في الخليل، شحادة الرجبي، تحدث عن الفترة التي وصل فيها اليهود لمدينة الخليل: "بعد سقوط الأندلس عام 1492، هاجرت أفواج من اليهود إلى بلاد الشام وفلسطين".

وقال الرجبي في حديث لـ "وكالة سند للأنباء": "هناك استوطنوا (اليهود) في حارات خاصة بهم في صفد والقدس والخليل، وعاشوا حياتهم بكل حرية".

وتابع: "أعطت الدولة العثمانية لليهود حقوقهم كاملة كبقية المسلمين، وسمحت لهم بتملك الأراضي والعقارات".

وأردف: "في الخليل اشترى اليهود الذين كانوا يشتهرون بالتجارة عدة أراضي أقاموا عليها منازلهم وأسواقهم وحوانيتهم".

وشدد الرجبي على أن تواجد اليهود في الخليل خلال الفترة ما بين خروجهم من الأندلس وحتى نهاية القرن الـ 19 "لم يكن استعماريًا، بل أصبحوا مواطنين يتكلمون العربية في دولة فلسطين".

وأضاف: "كانت العلاقة بين المسلمين واليهود الشرقيين (السفرديم) في فلسطين عمومًا والخليل تحديدًا على أحسن ما يرام، لدرجة أن اليهودية كانت تضع طفلها الرضيع عند جارتها المسلمة".

ونوه: "وإذا حصل أي خلاف بين اليهود أنفسهم، كانوا يحتكمون للمحاكم الشرعية الفلسطينية".

ظلت العلاقة بين المسلمين واليهود على ما هي عليه إلى أن بدأت الحركة الصهيونية بمشروعها الاستعماري الإحلالي في أواخر القرن الـ 19.

وقد شهد بداية هذا القرن هجرة اليهود الغربيين "الأشكناز" إلى فلسطين والخليل التي رأوا فيها بوابة للسيطرة على منطقة جنوب فلسطين التاريخية.

وهنا نشأ واقع جديد، حيث بدت العلاقة متوترة بين اليهود الشرقيين الموجودين في الخليل منذ مئات السنين، وبين اليهود الغربيين القادمين حديثًا.

الفريق الأول ليس لديه أية مشاريع استعمارية وفريق آخر يسير وفق خطة وضعتها الوكالة اليهودية، ولكل طرف عاداته وطباعه التي يراها غريبة عن الطرف الآخر.

عمل اليهود الغربيين على إنشاء مستعمرات جديدة في الخليل، فأقاموا مستوطنة "كريات أربع"، وأنشأوا أول بنك لهم في الخليل كانت وظيفته رهن وشراء الأراضي من الفلاحين الفلسطينيين.

كما أقاموا معهدًا دينيًا للترويج للأفكار الصهيونية المتطرفة، كان يتم ذلك دون رضا اليهود الشرقيين الذين كانوا يصفون أبناء دينهم "الغربيين" بالغرباء.

ثورة البراق.. علامة فارقة

بقي المشهد في مدينة الخليل منذ نهاية القرن 19 على ما هو عليه، فلسطينيون يعيشون في الخليل إلى جانب يهود منقسمين بين شرقيين وغربيين، إلى أن حدثت ثورة البراق في آب/ أغسطس 1929.

وقد شكلت هذه الحادثة "نقطة تحول" في العلاقة بين اليهود والعرب في الخليل.

ويقول الباحث والكاتب الصحفي أكرم النتشة، إن "ما إن المجزرة التي ارتكبها اليهود والإنجليز بحق العرب في القدس خلال ثورة البراق، ولدت لدى أهالي الخليل شعورًا بالانتقام من اليهود.

وحسب النتشة فإن أهالي القدس والخليل تربطهم منذ زمن صلات قرابة ونسب، ويرون أنفسهم عائلة واحدة، كما أن الكثير من أهل الخليل يعملون في القدس.

وأردف في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء": "صبّ المهاجمون القادمون من خارج المدينة جام غضبهم على اليهود الغربيين (الأشكناز) فحاصروا المعهد الديني التابع لهم، وقتلوا العشرات منهم".

وأكد: "بينما لم يتعرض أحد لليهود الشرقيين وتكفّلت 28 عائلة خليلية بحمايتهم، وهذا باعتراف اليهود أنفسهم".

وعن أعداد القتلى اليهود، يشير النتشة إلى أن عددهم بين 60- 65 قتيلًا، نصفهم ويزيد من المعهد الديني المتطرف بالإضافة ليهود من يافا، كما استشهد أيضًا أكثر من 20 فلسطينيًا.

ويلفت النتشة النظر إلى أن غالبية المهاجمين القادمين من خارج الخليل كان هدفهم وطنيًا، وبعضهم وجد في الحادثة فرصة لمهاجمة البنك الإسرائيلي لفك الرهن عن أرضه.

إجلاء اليهود من المدينة

بعد ثورة البراق، شكّلت بريطانيا لجنة للتحقيق بما جرى في مدينة الخليل، ونفت وقوع حالات اغتصاب لليهوديات أو تمثيل بالجثث كما زعم اليهود.

ويذكر الرجبي أن بريطانيا قررت بعد هذه الحادثة إجلاء اليهود عن مدينة الخليل خوفًا من تعرضهم لهجمات مشابهة.

واستطرد: "هاجر بعض اليهود إلى بريطانيا وانتقل آخرون لمدن أخرى واستقروا فيها، وتركوا منازلهم وأراضيهم".

ويؤكد أستاذ التاريخ أن منازل وأراضي اليهود بقيت على حالها ولم تتعرض للسرقة والنهب كما يزعم الاحتلال اليوم، وبقيت تحت سيطرة بريطانيا خلال فترة الانتداب وانتقلت للدولة الأردنية بعد حرب 48.

ويوضح: "السوق الذي يتحدث عنه الاحتلال أقيم عليه، بعد حرب 48 وفي عهد الحكم الأردني، سوق الخضار المركزي".

وبيّن: "كما تم تأجير بعض المحلات اليهودية لعائلات فلسطينية وفق قانون حارس أملاك الغائبين، وبعد حرب 1967 استمرت الإدارة المدنية الإسرائيلية بتأجير المحلات لبلدية الخليل".

ويتساءل الرجبي: "كيف يستمر الاحتلال بتأجير محلات يدعي أنها أقيمت فوق أراضٍ يهودية لبلدية فلسطينية؟! هنا يظهر التناقض واضحًا".

وأفاد بأن المساحة التي يزعم الاحتلال أنها كانت لليهود أصغر بكثير، كما أن غالبية أراضي السوق هي ملك للفلسطينيين أصلًا وهي جزء من وقف آل الداري وتعرضت للاستيلاء من قبل الاحتلال.

وحسب الرجبي، فإن هذه المنطقة التي تقع وسط منطقة H2 تعتبر منطقة عسكرية مغلقة منذ مجزرة الإبراهيمي عام 1994، ويمنع الفلسطينيين أصحاب المحال التجارية من الوصول إليها أو فتحها.

واستدرك أستاذ التاريخ: "الأراضي التي يتباكى عليها الاحتلال اليوم، هي ليهود الأمس وليس ليهود اليوم، يهود الأمس عاشوا بحرية بين جيرانهم الفلسطينيين".

ولفت النظر: "لم تكن لدى يهود الأمس أطماع استعمارية، لذلك فتحت الدولة العثمانية أبوابها لهم واستقبلتهم بعد أن هربوا من مجازر الأندلس".

كما أن عقد البيع (وفق الرجبي) يعتبر باطلًا من الناحية القانونية، فاليهود في تلك الحقبة من التاريخ تملّكوا الأرض بقصد التجارة واليوم تريد دولة الاحتلال بناء أحياء استيطانية مكانها.