الساعة 00:00 م
الإثنين 27 مايو 2024
22° القدس
21° رام الله
21° الخليل
25° غزة
4.63 جنيه إسترليني
5.16 دينار أردني
0.08 جنيه مصري
3.97 يورو
3.66 دولار أمريكي
4

الأكثر رواجا Trending

مأساة المياه عاصفة مستمرة على قطاع غزة منذ بدء العدوان

حرب "إسرائيل" العدوانية تقتل حلم حجاج قطاع غزة

أطباء أردنيون زاروا غزة.. شهادات على مرارة الحرب وآلامها

تفاصيل مروّعة يسردها الناجون من المجزرة..

بالفيديو في ثوان معدودة.. عائلة "عوض" تمحى من السجل المدني

حجم الخط
438171687_991966142277261_4277022392437177_n.png
غزة -هداية محمد التتر-وكالة سند للأنباء

أهوال كالقيامة، مشاهد لم يتخيّل عقل بشري أن يعايشها على مدار أيام الحرب الإسرائيلية الشعواء الممتدة منذ 215 يومًا، نُسفت خلالها كل مظاهر الحياة في قطاع غزة، وأحالته لمكان غير صالح للعيش، بل أنها أبادت عائلات بأكملها ومسحت وجودها من السجل المدني.

عائلة "عوض" إحدى العائلات التي فقدت نحو 100 من أفرادها دفعة واحدة، لم يخرج منهم سوى 10 أحياء بإصابات بالغة ومنهم من بترت أطرافه.

داخل منزلها بمنطقة الزيتون بالقرب من شارع 10، كانت آمنة عوض تعتني بأطفالها، تحرص على تحفيظهم القرآن الكريم والعمل به، تحلم أن يكون منهم الواعظ والطبيب، ترسلهم للمراكز التعليمية لتنمي قدراتهم اللغوية والعلمية، حتى جاء برميل البارود الصهيوني ونسف تلك الأحلام وأطبق على أجسادهم الصغيرة بالباطون المسلح.

مجازر مروعة

اضطرت آمنة عوض من أول يوم في الحرب في 7 أكتوبر/ تشرين الثاني للنزوح إلى بيت عائلتها وبقيت فيه قرابة العشرة أيام، وهناك ارتكب الاحتلال الصهيوني مجزرة بحق عائلة النفار في منطقة الجسر، ما دفعها للنزوح إلى أحد مراكز الإيواء التابعة لوكالة "أونروا" ظناً منها أنه مكان آمن.

تسرد آمنة تفاصيل الفاجعة التي عاشتها لـ "وكالة سند للأنباء": "لا شيء آمن تحت الاحتلال، ففي أواخر شهر أكتوبر الماضي دخلت علينا دبابات الاحتلال في مركز الإيواء، رأينا منها ومن قذائفها ورصاصها أهوال الخوف والرعب، لا رحمة في قلوبهم، فلم يراعوا صراخ الأطفال الأبرياء ولا النساء العزل إلا من الراية البيضاء".

وأجبر جنود الاحتلال من في المركز على الخروج من المكان دون الالتفات أو عمل أي حركة سوى السير باتجاه واحد والرصاص فوق رؤوسهم وحول أجسادهم ما أدى إلى استشهاد العديد من المواطنين الذين كانوا معهم.

وعن تلك اللحظات تحدثنا: "قسوة جنود الاحتلال وصلت بهم لمنعي من حمل طفلتي الصغيرة وإلا أطلق عليها النار، فسحبتها طوال الطريق حتى ابتعدنا عن مسار الدبابات ووصلنا إلى مركز إيواء الموهوبين الذي ارتكب فيه الاحتلال بعد أسبوع من مكوثي فيه مجزرة مروعة بحق عائلة مهدي".

يوم الفاجعة..

تشير آمنة بيدها لكومة من الردم تعلوها غرفة محترقة، وبابتسامة تخفي خلفها حزناّ عميقاً تقول: "نزحت هنا، في منزل عمي الذي استقبل الجميع فكان فيه ما يقارب 100 شخص من كبار السن والنساء والأطفال المدنيين، لا نخرج إلا للضرورة القصوى كإحضار الخبز أو الماء خوفاً من قذائف الدبابات ورصاص المسيرات".

عن "أسوأ أيام حياتها" كما تصف، تحدثنا آمنة: "ظهر يوم الجمعة 17 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، استهدف الاحتلال زوج ابنة عمي بقذيفة قتلته على الفور، أحضرنا زوجته مع أطفالها عندنا لنواسيها، كانوا أطفالها يتساءلون "ما ذنب بابا؟".

اغرورقت عيونها بالدموع وأضافت: "في تمام الساعة الثالثة والنصف جلست وأبنائي الخمسة حولي لتناول الغداء، فأعطيت كل واحد سندويشته وبعدها لم أدري عن شيء".

استيقظت آمنة لتجد نفسها في مستشفى كمال عدوان ولا يوجد على لسانها سوى السؤال عن أبنائها، وتقصّ علينا بدموع عينيها: "شاهدت ابن عمي الذي كان يعالج بالمشفى جراء إصابته وإخوانه بقذيفة دبابة في اليوم الذي سبق استهدافنا، سألته عن أبنائي، فقال إنه لا يعرف شيئاً عنهم، حينها قررت الخروج من المشفى للبحث عنهم".

"أين أطفالي؟!"..

تكمل ضيفتنا سرد تفاصيل الموت الذي عاشته، والدموع تنهمر على وجنتيها: "عند الفجر وبعدما أجرى الأطباء لي صورة أشعة، خرجت يرافقني ابن عمي، كانت حالتي الصحية صعبة جدا، إصابات في الرأس وحروق ورضوض في الجسد واحمرار وضعف نظر في العينين، وحالة غثيان متواصلة، وكلما وقفت يغمى علي، ورغم ذلك كله خرجت من المشفى والطبيب في حالة ذهول مما أفعل".

وتتابع: "مشيت حافية القدمين وملابسي مغبرة ونصف وجهي محترق ومنتفخ، وطوال الطريق كنت في حالة إغماء يوقظني منها المارة حتى وصلت مستشفى الاندونيسي، فقابلت خالي وسألته عن أبنائي، فقال: حفظ الله لك محمود والباقي استشهد، حمدت الله وأغمي علي".

تبكي بحرقة على أبنائها وتشير بإصبعها إلى الردم: "ابنتي 3 سنوات لازالت هنا تحت الردم، ابني لم أجد جثمانه فقط وجدت ملابسه، وابني الآخرين تم إخراج جثمانها وفي يدهما السندويشة التي أعطيتها لهما، فجأة أصبحت بلا أم ولا أب ولا أخت ولا عمة ولا خالة كل العائلة ذهبت، ابنة عمتي حامل وكانت تستعد للذهاب لوضع مولودها في المشفى استشهدت".

وجدت آمنة جثمان ابنها الكبير، لكنهم منعوها من رؤية وجهه الذي شوهته صواريخ الاحتلال، فجلست عند قدميه وودعته، وتكمل: "ثم ذهبت لرؤية ابني المصاب، لم يسمحوا لي برؤيته خوفاً علي لصعوبة حالته الصحية، ومن يومها حرمني الاحتلال الصهيوني رؤيته بعدما رحله إلى الجنوب وجميع المصابين المتواجدين في المشفى الإندونيسي".

بعد أن ودّعت آمنة ابنها، نقلها أقاربها إلى عيادة الشيخ رضوان حيث تتواجد عائلة زوجها، ليفاجؤوا بأنها على قيد الحياة، موضحة أنها لم تعد لمشفى كمال عدوان؛ لعدم توفر طاقم طبي يغطي الكم الكبير من المصابين.

أهوال القيامة

وفي عيادة الشيخ رضوان، نصح الأطباء آمنة بالتوجه للجنوب لتلقي العلاج المناسب، لكنها لم تتمكن من ذلك لأنها كانت تعاني من الدوار المستمر وضعف السمع والبصر وآلام شديدة في الكلية.

وأثناء تواجدها في عيادة الشيخ رضوان حاصرتهم دبابات الاحتلال لأربعة أيام، وتقول لنا: "لم نجد حينها المياه بتاتاً، أخذت العلاج دون ماء، فضلاً عن القصف وإطلاق النار المتواصل"، مضيفة: "حرقوا مستودع الأدوية وسيارات المواطنين وحاجياتهم، حتى أحاطت النار بنا من جميع الجهات ونحن في المنتصف".

تستذكر تلك اللحظات بحزن وألم، وتقول: "ما رأيناه في هذه الأيام هو عذاب بل أهوال القيامة، قتلوا أحد الممرضين الذي كان يساعدني ويشرف على علاجي دون رحمة"، متساءلةً: "ألهذه الدرجة دمنا رخيص لكي يصمت عليه العالم".

تصمت قليلاً ثم تروي لنا: "كنت كل يوم أطلب منهم إخراج جثمان أطفالي الثلاثة، وعندما جئت للمكان وشاهدته صرخت من هول ما رأيت، فلا أثر للعمارة ذات الست طوابق، ولا آلات لتخرج جثامين أطفالي".

ذكراهم في قلبي

وأضافت وهي تبكي على فراقهم: "كل عائلتي ذهبت، أولادي، عائلتي، شقيق زوجي وعائلته، 100 شخص كانت لديهم أحلام وطموحات، في ثوانٍ معدودة لم يتبقى منهم سوى 10 أشخاص، لولا إيماني بالله لما بقيت، بل لذهب عقلي".

وبقلب مكلوم تتابع: "تم تجريف بيتي بعد قصفه، ولا يوجد أي شيء لهم، سوى ذكراهم في قلبي، وعودة ابني من الجنوب، والذي كلما تحدثت معه على الهاتف ينفطر قلبي عليه وهو يقول أخاف أن يستشهد أحدنا دون أن نرى بعضنا".

تشرح حالة طفلها عند خروجه من غزة قائلة: "رُحّل طفلي للجنوب دون أن يتم تغريزه، حيث ترك دون رعاية لمدة 3 أيام بعدها بدأ الدود يخرج من رأسه، عندها بدؤوا بمعالجته في المسشفى الأوروبي وبإشرف وفد طبي من الخارج، والذي أنقذ قدمه من البتر فوق الفخذ".

تختم ضيفة سند بالقول: "حسبنا الله ونعم الوكيل فيمن خذلنا، ما ذنبنا نحن الأبرياء؟، ما علاقتنا فيما يحدث؟، نحن نريد أن نعيش حياة كريمة مثل أي إنسان في هذا العالم".

أجسادهم مقطعة أشلاء

بدوره، يشرح الطفل فتحي عوض (13 عاما) ما حدث معه ومع عائلته لـ "وكالة سند للأنباء"، قائلاً: "كنا نجلس لتناول طعام الغداء، وإذا بالمنزل يسقط وضباب أسود ينتشر في المكان، والحجارة تتساقط فوق الرؤوس وإخواني يصرخون بابا بابا"، متسائلاً: "ما ذنب أخي ذو العام الواحد أن يستهدف ويصاب من قبل الاحتلال الصهيوني".

كان "فتحي" أول من خرج من الاستهداف، يصرخ ويستنجد بالمواطنين لمساعدتهم، يروي لنا تفاصيل ذلك اليوم: "لم أكن أرى أمامي، كنت أسير فوق الردم، مشيت فوق ثلاثة شهداء لم أتعرف عليهم لأنهم كانوا مقطعين أشلاء".

أصيب الطفل بجروح متفرقة في جسده، وأصيب شقيقه الأصغر برأسه، ووالده في ظهره، وأمه كانت تنزف وشقيقه الثالث بترت ساقه واستشهد الرابع، ويقول: "حطّم الاحتلال حلم أخي الذي كانت هوايته لعب كرة القدم، بأن يصبح لاعباً مشهوراً بعدما بترت قدمه".

ويحدثنا: "رما كانت سبب نجاتي أننا نسكن بالطابق السادس، وقد أصبح وكأنه الطابق الأول بعد نسفه".

يمشي "فتحي" وهو يشير إلى مكان تواجد الشهداء، قائلاً: "هنا يتواجد جثمان ابن عمي الطفل عمر، كلما سحبناه قطع أحد أجزاء جسده، ولذلك لم نستطع إخراجه، كذلك أخي الشهيد أطبق عليه السقف ولا يوجد آلات لنقوم بإخراجه".

ويختم بالقول: "جدي وجدتي وأعمامي وزوجاتهم وأبناءهم الذين كنت أقضي أجمل أوقاتي معهم، كلهم قطعت صواريخ الاحتلال أجسادهم أشلاء ولا يمكن التعرف عليهم، استشهدوا وبقيت على ذكراهم وحدي"، معربًا عن أمله في مساعدتهم لتحويل أخيه إلى الخارج واستكمال علاجه كي يعود بقدم حتى لو كانت صناعية.