يواجه الفلسطينيون في قطاع غزة أزمة مياه طاحنة تفاقمت عقب اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي مدينة رفح، مما أدى إلى تفاقم معاناتهم الإنسانية في ظل الظروف المعيشية القاسية وارتفاع درجات الحرارة.
ويضطر النازحون، بمن فيهم الأطفال وكبار السن، إلى حمل الجالونات وسحب عربات صغيرة لمسافات طويلة للحصول على المياه، فيما اضطرت الآلاف من النساء إلى استخدام مياه البحر كبديل للمياه في تسيير حياتهن اليومية.
ونصب مئات الآلاف من النازحين المهجرين قسرًا من رفح خيامًا في مناطق مثل شمال غرب رفح ومدينة خان يونس المدمرة وساحل وسط قطاع غزة، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام ازمة مياه طاحنة في ظل تدمير آلة الحرب الإسرائيلية أكثر من 70 بالمئة من البنية التحتية في القطاع الذي يقطنه 2.3 مليون نسمة.
تقول النازحة نجوى محمد التي تعيش محنة التهجير القسري للمرة السادسة: "اليوم بطلت قادرة أشتري مية (مياه) أو أحصل عليها من أماكن بعيدة، وأصبحت اعتمد على مية البحر (مياه) في غسل الملابس وأواني الطهي".
وتشرح محمد (52 عامًا) لمراسل "وكالة سند للأنباء": "من يوم ما هجّرونا اليهود من غزة، وأزمة المية لا تنتهي، وحتى لما انتقلنا لخان يونس قبل اليهود ما يجتاحوها كنا نعاني من أجل الحصول على المياه، وفي رفح كذلك".
وتضيف "بعد ما اليهود هجّرونا من رفح لم نجد مكان سوى ساحل البحر والمية هنا شحيحة والناس كثير. نشتري جالون الميه المحلاة بأربع شواكل (3.7 الدولار) وأحيانا توزعها مؤسسات دولية المياه مجانا لكنها لا تكفي الجميع في ظل اكتظاظ النازحين".
ووفق آخر الأرقام الصادرة عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، اليوم الاثنين، فإن حوالي 810000 فلسطيني هجروا قسرا من رفح خلال الأسبوعين الماضيين.
وقالت الوكالة الدولية في منشور على تطبيق" (X) في كل مرة تنزح فيها العائلات تتعرض حياتها لخطر جسيم يضطر الناس إلى ترك كل شيء خلفهم بحثًا عن الأمان لكن لا يوجد مكان أمن في قطاع غزة".
ويقف سمير أبو طعيمة (61 عامًا) في طابور طويل ومزحم من أجل الحصول على كمية محدود من المياه، ويتناوب مع أبنائه في نقلها إلى خيمتهم بمنطقة مواصي رفح.
ويقول أبو طعيمة لمراسل "وكالة سند للأنباء": "من يوم ما نزحنا من رفح ومش عارفين نحصل على المياه. ونحن عايشين (نقيم) في خيمة، واحتياجاتنا للمياه تضاعفت".
ويشير إلى أن الأواني والملابس تحتاج إلى غسيل بشكل مستمر جراء تطاير الأتربة، إضافة إلى الاحتياج المستمر للمياه في الاغتسال في ظل ارتفاع درجات الحرارة.
وفي الحي السعودي غرب رفح، لا تزال شركة عبد السلام ياسين تقدم المياه المحلاة للسكان بالمجان، لكن ما تنتجه الشركة لا يكفي الاحتياجات في ظل الطلب الهائل مع ارتفاع درجات الحرارة.
ويقف الطفل محمد صيام لساعات من أجل تعبئة جالوني مياه محلاه لعائلته التي نزحت من شرق رفح قبل أسبوعين. ويقول لمراسل "وكالة سند للأنباء": "بقف هنا لساعات وبعبي أربع مرات في اليوم وبمشي حوالي نصف كيلوا من أجل الوصول إلى خيمتنا".
ولا يزال السكان في مناطق غرب رفح، مثل مخيم بدر، وتل زعرب، وحي تل السلطان، والسعودي، يعيشون في منازلهم أو في خيام رغم مرور أسبوعين على الاجتياح الإسرائيلي لشرق ووسط المدينة.
وتواصل مصلحة مياه الساحل بالتنسيق مع بلدية رفح ضخ المياه في المناطق الغربية لمدينة رفح وكثفت ضخ المياه لمنطقة المواصي في شمال المدينة الحدودية مع مصر.
ووفق مدير قسم الصحة والبيئة في بلدية رفح م. مهند معمر، فإن العدوان الإسرائيلي على رفح تسبب في آثار كارثية على مختلف نواحي الحياة، وتسبب في توقف ضخ المياه إلى المناطق بنسبة 60 بالمئة بالمدينة.
ويوضح أن بلدية رفح بالتعاون مع المؤسسات الشريكة والداعمة تكثف عملها في مناطق غرب رفح وشمال غرب المدينة، حيث نزح عشرات الآلاف من السكان ويعيشون في ظروف مأساوية في خيام متلاصقة على ساحل بحر المدينة.
وقبل اجتياح رفح كانت مصلحة مياه الساحل تنتج حوالي 70 ألف لتر مكعب يوميًا، لكن الإنتاج تراجع إلى الثلث الآن في ظل اجتياح جيش الاحتلال الإسرائيلي لشرق المدينة وفق نائب مدير مصلحة مياه الساحل في قطاع غزة عمر شتات.
ودفعت أزمة انقطاع التيار الكهربائي مصلحة مياه الساحل إلى الاعتماد بشكل رئيسي على مولدات الطاقة لتشغيل جميع مرافق المياه والصرف الصحي، بهدف توفير المياه الصالحة للاستخدام الآدمي، وتجميع المياه العادمة والتخلّص منها لمنع تجمّعها.
ويوضح شتات ل "وكالة سند للأنباء" أن 190 من أصل 540 منشأة للمياه والصرف الصحي تعمل جزئياً في غزة بوقت لا يزيد عن 10 ساعات يومياً، وتنتج ما بين 15 إلى 20 في المائة من الطلب اليومي على المياه.
ويشير شتات إلى أن انتاج المياه لأكثر من مليوني إنسان قائم منذ ثمانية أشهر على المولدات، وهذا الأمر خطر جدا إذ إن تعطل أي من تلك المولدات سيضعنا أمام كارثة حقيقية.
ويؤكد أن سلطات الاحتلال الإسرائيلي لم تسمح منذ اندلاع الحرب بإدخال مولدات لتوليد الكهرباء ولا حتى قطع غيار بزعم الاستخدام المزدوج.
وتتدهور جودة المياه بمرور السنين، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى استنزاف المخزون الجوفي لتلبية احتياجات سكان غزة بسرعة أكبر من قدرة الأمطار على التجديد.
وقطعت إسرائيل امدادات الكهرباء وأوقفت توريد المحروقات وقصفت بشكل متكرر ألواح الطاقة البديلة على أسطح المنازل والمؤسسات في قطاع غزة عقب اندلاع الحرب يوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
والمصدر الطبيعي الوحيد للمياه في قطاع غزة هو المياه الجوفية، ويعتمد الفلسطينيون على محطات تحلية مياه البحر، وإمدادات المياه القادمة من "إسرائيل" لكن في ظل الحرب دمرت عدد من المحطات وخطوط إمدادات المياه إلى غزة.