في قلب مدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة، حيث تلتقي السماء بخراب الأرض، تنبض معاناة النزوح في ألوان اللوحات التي تنبثق من خيمة الفنانة التشكيلية إلهام الأسطل، في مشهد مفعم بالواقع والوجع.
تعكس "الأسطل" في لوحاتها الألم اليومي لشعب يعيش تحت وطأة الصراع، وبينما تتناثر قطع الزجاج والركام حول خيمتها، تواصل إلهام التعبير عن معاناة الأفراد وعائلاتهم من خلال أعمالها الفنية التي تسجل لحظات من الألم والأمل.
وتستعرض "الأسطل" في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء" عن كيف أن كل لوحة تمثل صرخة من أعماقها، مُعبرةً عن الألم الذي يعصف بحياتها وحياة كل فلسطيني.
وتضيف أن الإبداع لا يتوقف عند حدود الأدوات المتاحة، بل يظهر قوته عندما تتلاشى جميع سُبُل التعبير الأخرى. في خيمة لا تكاد تحتوي على أساسيات الحياة، تُواصل إلهام إبداعها، مستندةً إلى روحها القوية وألوانها التي تعبر عن أعمق مشاعر الفقدان والتشاؤم.
وتُجسد لوحتها "كارثة ومعاناة" عمق الصراع الداخلي وجسارة الروح، مُبرزةً مدى تأثير الألم والدمار على إبداعها، لتبقى أعمالها شهادة على قدرة الفن على الإصرار على الحياة والتعبير عن الأوجاع بكل صرخاتها.
"ألوان النزوح"..
تُعبّر ضيفتنا: "إن موهبتي في الرسم هي طريقتي للتعبير عن الألم والأمل في آن واحد. كل لوحة أحاول من خلالها أن أحكي ما يحدث معي والصعوبات التي أتعرض لها في كل نزوح، والمعاناة التي أعانيها في النوم بالخيمة وفي عدم وجود جو مناسب للرسم".
وتُتابع، "في فترة النزوح أثرت عليّ الحرب بشكل سلبي من ناحية نفسية، ومرت عليّ فترات كبيرة لم أستطع الرسم نهائيًّا؛ بسبب الوضع وقلة توفر الأدوات الفنية، وما كان لدي نفسية للرسم."
وتضيف "الأسطل": "أستخدم الريشة كوسيلة للتعبير عن الواقع اليومي الذي أعيشه، حيث أحاول أن أنقل للعالم صورة حقيقية عن معاناة الشعب الفلسطيني، وأضيف رموز التعجب والاستفهام والعجز. التعجب لأنني لم أكن أتوقع أن تسير حياتي هكذا، والاستفهام بسبب الأسئلة الكثيرة في عقلي، وأيضًا لأنه لا توجد أي ملامح للمستقبل، فعليًا أنا ذاهبة للمجهول".
وتُكمل ضيفتنا: "أضيف رموز العجز لأنه ليس في يدي أي شيء أفعله سوى انتظار انتهاء الحرب ومحاولة استجماع قوتي".
وماذا عن اختيار الألوان في لوحاتك؟، تُجيبنا: "اختيار الألوان في هذه الفترة ليس براحتي، لأنني أساسًا بالكاد أستطيع توفير ألوان لأشتغل بها في بعض اللوحات، أحاول إنجاز لوحات بالأدوات المتوفرة، ولا توجد أي أدوات فنية في قطاع غزة".
وتوضح "الأسطل"، "دور لوحاتي هو فقط إبراز المعاناة وإيصال رسائل للعالم، لأن الفن هو لغة تواصل مهمة وتصل للكثير دون التحدث بحرف واحد."
وتسرد: "أعمالي تلقى اهتمامًا أكبر على المستوى العالمي مقارنة بغزة، لأن غزة وجعها أكبر من كل شيء والشعب يشعر ويرى. أنا في هذه الفترة أحاول ترجمة مشاعر الشعب ومشاعري للعالم الخارجي."
وتروي "ضيفة سند"، "الإبداع الفني يظهر مع أي فنان أثناء الرسم، الإبداع شيء موجود لا يمكنك التحكم فيه أو إظهاره متى ما شئت. الإبداع موجود إذا كان الفن موجودًا. الإبداع لا يتأثر بالظروف، بل تظهر قوته في الظروف، وهنا تظهر قوتي في إبراز معاناتي ومشاعري داخل لوحاتي".
وتؤكد: "كل فنان له أسلوبه الخاص في إيصال واظهار المعاناة. كل فنان يتحدث عما يراه وعن مشاعره تجاه ما يراه. أنا كفنانة أتأثر فقط بما يدور حولي من أحداث وما يجول في خاطري من مشاعر."
وتزيد "الأسطل": "الكثير من القصص الخاصة جسدتها وما زلت أجسدها في أعمالي. الرسالة فقط أنني أود أن يسمع العالم ما أشعر به وما أفكر فيه. الموضوعات والقصص والأحداث تحتاج لسنين وسنين لإظهارها للعالم. هناك قصص مدفونة وقصص لم تروَ بعد وقصص متجددة كل يوم وكل دقيقة وكل ثانية. أتمنى لو كان لدي الكثير من الأدوات لإبراز كل شيء يحدث."
وتشير إلى أن التحديات التي تواجهها كفنانة هي فقدان جميع أدواتها وفقدان الكثير من لوحاتها وشهاداتها وجوائزها العالمية والمحلية التي استلمتها من الكثير من المعارض، وأيضاً حالياً عدم توفر أدوات فنية للاستمرار في رسم معاناتها.
وتقول: "حتى بوجود المشاهد والدمار، الدقة موجودة لأن التفاصيل نابعة من داخلي. مهما حدث حولي، أنا كفنانة لا أرسم بعقلي بل أرسم بقلبي. التفاصيل تبقى كما هي بل تزيد دقتها."
وتختم بقولها: "لوحتي التي تحمل عنوان 'وجع وكارثة ومعاناة' أثرت فيّ بشكل كبير خلال الرسم وبعده أيضًا؛ فقد عكست تمامًا الأثر العميق الذي خلفته التجربة على نفسي، وعبرت عن حجم المعاناة التي لا يمكن وصفها بالكلمات".