خطوات إسرائيلية متسارعة في سبيل ضم الضفة الغربية، وسرقة أراضيها لصالح الاستيطان، وعززت تلك الخطوات التحولات الجذرية منذ تشكيل الائتلاف الحاكم في إسرائيل نهاية 2022، والذي عكس في حينه هيمنة المستوطنين على مقاليد الحكم، فوجدوا الفرصة لينشبوا أنيابهم لتسريع عملية الضم.
واستنادا إلى معطيات منظمة "السلام الآن" اليسارية الإسرائيلية، فإن ما يقارب نصف مليون إسرائيلي يقيمون في 146 مستوطنة كبيرة و144 بؤرة استيطانية مقامة على أراضي الضفة الغربية، بما لا يشمل مناطق شرق القدس.
ووفق مراقبين، ارتكزت السياسة الاستيطانية في هذا المرحلة على ثلاثة مبادئ؛ وهي التوجّهُ نحو ضم الأراضي المصنفة ج، وفرضٌ تدريجي للسيادة الإسرائيلية الشاملة عليها، ورفعُ عدد المستوطنين إلى مليون نسمة خلال العقدين القادمين.
وربط متابعون بين العدوان العسكري الإسرائيلي على مدن ومخيمات شمال الضفة في 28 آب/ أغسطس الماضي وما تبعه من إعلان الضفة "ساحة حرب"، وما بين مخططات ضمها.
واعتبروا قرار إعلان الضفة "ساحة حرب"؛ انعكاسًا للرغبة الإسرائيلية في شن حرب إبادة واسعة في الضفة تتجاوز مناطق الشمال، وتمتد لشرعنة كل البؤر الاستيطانية، وحسم الواقع في الضفة المحتلة لصالح ضمها للاحتلال.
ورأوا أن العدوان العسكري قد يؤدي إلى نزوحٍ قسري للفلسطينيين، وإلى سياسة الإبعاد، وإحكام الحصار وتقطيع أواصر التواصل الجغرافي بين التجمعات السكنية الفلسطينية، وهوما يحقق هدف ضم الضفة.
تسجيل صوتي لـ سموتريتش
وبرزت مظاهر هذا التوجه الإسرائيلي في مخططات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش، الذي سرّب له تسجيل صوتي خلال اجتماع له مع قادة المستوطنين في حزيران/ يونيو الماضي، قال فيه إن الحكومة بدأت تغيير المشهد في الضفة دون أن تُتَّهمَ بضمها.
وتفاخر سموتريتش بأن مصادرة الأراضي عام 2024 تجاوزت المتوسطات السنوية السابقة بعشرة أضعاف، حيث تضمنت سياساته توجيهاتٍ للوزارات الإسرائيلية كي تستعد لتدفق 500 ألف مستوطن إلى الضفة الغربية.
كما أصدر موافقات على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية الجديدة، وشرعنة البؤر غير المرخصة، مقابل فرض المزيد من القيود على البناء الفلسطيني.
وبين المختص في قضايا الجدار والاستيطان جمال جمعة، أنه جرى تحويل حكم الضفة من سلطات عسكرية إلى مدنية، وتشكيل هيئة للاستيطان داخل وزارة المالية الإسرائيلية برئاسة المستوطن هيلل روثن الذ يعمل تحت إمرته 24 موظفا من المستوطنين.
عملية تهجير ممنهجة
وتابع جمعة لـ "وكالة سند للأنباء" إن "كل ذلك هدفه إطلاق يد المستوطنين بالضفة، للمصادرة والبناء والتوسع، مضيفًا أنه" تم بناء 110 مستوطنات رعوية منذ 2018، وتركزت في مناطق الأغوار شرقي الضفة، ومسافر يطا، جنوبي الخليل، وهي تعتبر أكثر وسيلة ناجعة للسيطرة على الأرض".
وحذر المختص جمعة من خطورة عمليات التهجير للتجمعات السكنية البدوية، بما يمهد لعملية تهجير شاملة بالضفة، مشيرًا إلى أنّ "كل المنطقة الممتدة من رام الله حتى اريحا تم تهجيرها وطرد السكان، ولم يتبق سوى تجمعين عما عرب المليحات ورأس العوجا، وهما في خطر التهجير".
وبين أن "مئات آلاف الدونمات تمت السيطرة عليها دون قرارات عسكرية، أي عبر البلطجة فقط وإرهاب المستوطنين المسلحين الذين يعملون على مهاجمة المناطق الفلسطينية برعاية ودعم جيش الاحتلال".
وأضاف "هناك 70 ألف مستوطن مسلح ومدرب يتوزعون في مختلف مناطق الضفة، ويقومون على مدار الساعة بمهاجمة المناطق الفلسطينية وترهيبها وإجبارها على الهجرة".
ولفت جمعة أن "عملية التهجير ومصادرة الأراضي طريقان متوازيان لضم الضفة، حيث أفرز الاستيطان حالة قطع كبيرة للتواصل بين مدن الضفة، وحولها إلى كانتونات مجزأة".
مشروع قديم لضم الضفة
من ناحيته، رأى الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية مصطفى البرغوثي، أن المشروع الإسرائيلي الذي يقوده بنيامين نتنياهو وحكومته، هو تحقيق عملية الضم للضفة، وتحقيق ما يسمى بـ"حرب البيت الثانية"، من خلال تهجير السكان الفلسطينيين وطردهم.
ووصف البرغوثي في حديث مع "وكالة سند للأنباء" ما يجري في الضفة وغزة والقدس، أنّه "ترانسفير" إسرائيلي منظم، يهدف لتحقيق النكبة الثانية.
واعتبر أن حرب الإبادة لم تأت نتيجة السابع من أكتوبر، وإنما نحن أمام مشروع إسرائيلي واحد هدفه الاستيطان والضم والتهويد، وكسر المقاومة الفلسطينية بأي شكل كانت، ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة.
بدوره بين المختص في الشأن الإسرائيلي إيهاب جبارين، أنّ حكومة المستوطنين التي تحكم، لديها مخطط ضم أراضي ج في الضفة الغربية، التي تعدّ مدخلا لها في مخطط الضم.
وأكد في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن كل عمليات قضم الأراضي التي تتم عبر إجراءات متعددة، تؤدي لتكريس السيطرة اليهودية على الأرض ما بين البحر والنهر".
وأوضح أنّ المخطط يأتي ضمن استراتيجية فصل الضفة ضمن محاور تتجاوز تصنيف اتفاقية أوسلو "أ، ب، ج " والبدء بفصلها شمال ووسط وجنوب".
استهداف أراضي الدولة
متفقًا مع سابقه، أوضح مدير عام النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داود، أنه على صعيد مصادرة الأراضي في المرحلة الحالية غير مسبوقة، وتحديدا في إعلانات مصادرة أراضي الدولة، وهو أخطر أنواع المصادرة.
وقال داود لـ "وكالة سند للأنباء" إنّ "24 ألف دونم تمت مصادرتها منذ بداية 2024، 20 ألفًا منها في مناطق جنوب نابلس، والبقية توزعت في مناطق القدس وبيت لحم ومناطق غربي رام الله".
ولفت أن استهداف أراضي الدولة هدفه التهرب من المساءلة القانونية، فيما إذا كانت الأراضي المصادرة ملكيةً خاص، لكنه استدرك بالقول "تتم مصادرة أراضي الدولة في منطقة معينة، ويتم في السياق مصادرة أراض خاصة بجانبها، تحت مبررات متعددة".
وبين داود أن "الهدف الأساس عزل التجمعات السكنية الفلسطينية، وإحداث تواصل جغرافي بين المستوطنات، واستكمال مناطق نفوذها".
وعلى صعيد التحرك الفلسطيني، قال داود إن الواقع صعب ومعقد، لكن التحرك الفلسطيني متواصل بالاستناد لمواقف وقرارات دولية تدين الاستيطان، والارتكاز على الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية حول عدم شرعية الاستيطان.
وفي يوليو/ تموز الماضي، اعتبرت محكمة العدل الدولية في لاهاي، الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية "غير شرعي"، وطالبت إسرائيل بإنهاء وجودها في الأراضي الفلسطينية.
وقالت المحكمة إن "استمرار وجود دولة إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني"، مشددة على أن للفلسطينيين "الحق في تقرير المصير"، وأنه "يجب إخلاء المستوطنات الإسرائيلية القائمة على الأراضي المحتلة".
وبحسب تقديرات، يقيم أكثر من 720 ألف إسرائيلي في مستوطنات غير شرعية بالضفة الغربية، بما فيها مناطق شرق القدس.
ويُجمع المجتمع الدولي على أن المستوطنات "غير شرعية" وتشكل عقبة أمام تطبيق "حل الدولتين" القاضي بإقامة دولة فلسطينية إلى جانب "إسرائيل".