تُنهي حرب الإبادة التدميرية على قطاع غزة بعد أيامٍ قليلة عامها الأول، وبهذا تكون أطول حربٍ يشهدها الغزيون منذ عقود، وأفظعها من حيث الأعداد المهولة للشهداء والجرحى والنازحين، والدمار واسع النطاق الذي طاول كافة القطاعات والبنية التحتية، فضلًا عن تفشي المجاعة والأمراض.
فعلى الرغم من القرارات الأممية التي دعت إلى وقفٍ فوري لإطلاق النار في غزة، لم يتوقف شلال الدم عن التدفق منذ قرابة العام؛ نتيجة القصف الإسرائيلي المتواصل، الذي أباد البشر وكل ما يعينهم على الحياة، لجعل القطاع منطقة غير قابلة للحياة.
وضمن تغطيتها الخاصة للذكرى السنوية الأولى لحرب الإبادة في غزة تستعرض "وكالة سند للأنباء" تفاصيل حول أعداد الضحايا والدمار والأضرار التي لحقت بمختلف القطاعات منذ السابع من أكتوبر/ تشرين أول الفائت وحتى اليوم.
أعداد الضحايا والنازحين..
منذ السابع من أكتوبر الفائت أدت آلة القتل الإسرائيلية لاستشهاد 41 ألفًا و638 فلسطينيًا، وأصابت 96 ألفًا و460 آخرين، فيما بلغ عدد المفقودين 10 آلاف، وفقًا لآخر تحديث صادر وزارة الصحة الفلسطينية اليوم الثلاثاء (1 أكتوبر/ تشرين أول).
وتشير إحصاءات المكتب الإعلامي الحكومي المنشورة أمس، إلى ارتكاب الاحتلال 3 آلاف و628 مجزرة منذ بداية الحرب؛ 69% من ضحاياها هم من النساء (11 ألفًا و458)، والأطفال (16 ألفًا و891).
ولم يسلم الرُضع الذين وُلِدوا في حرب الإبادة من بطش الاحتلال، فقد وثق "الإعلام الحكومي" استشهاد 171 رضيعًا، فيما استشهد 710 أطفال عمرهم أقل من عام.
بينما أجبرت حرب الإبادة 2 مليون شخص على النزوح في أنحاء قطاع غزة، منهم من نزح أكثر من 10 مرات، ويحتشد هؤلاء في مخيمات مترامية الأطراف، أو في المدارس التي تحولت لمراكز لجوء.
معطيات عن أضرار المرافق العامة والمباني
في تقرير "الإعلام الحكومي"، أظهرت المعطيات أن الاحتلال ألقى 85 ألف طن من المتفجرات ألقاها على قطاع غزة خلال الحرب، دمّر خلالها 200 مقر حكومي، و611 مسجدًا بشكلٍ كلي، و214 مسجدًا جزئيًا، فضلًا عن تدمير واستهداف ثلاث كنائس.
وأوضحت المعطيات أنّ 150 ألف وحدة سكنية دُمرت كليًا في القطاع، فيما استُهدفت 80 ألف وحدة سكنية وأصبحت غير صالحة للسكن، وتضررت 200 ألف وحدة سكنية جزئيًا، مشيرةً إلى أن نسبة الدمار في القطاع بلغت 86%.
دمار البنية التحتية..
اتسمت الحرب بتدمير ممنهج وشامل لكل مرافق الحياة في قطاع غزة بحيث يُصبح مكانًا غير صالح للسكن، وأفادت تقارير للأمم المتحدة والبنك الدولي أنّ أضرار البنية التحتية جراء الحرب تُقدر بنحو 23 مليار دولار حتى الخامس والعشرين من أيلول المنصرم.
وفي هذا السياق أكد مستشار وكيل وزارة الحكم المحلي زهدي الغزير في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء"، أنّ الاحتلال دمر 78% من البنية التحتية لقطاع غزة وتشمل الطرقات والكهرباء والموصلات وخطوط الصرف الصحي، مشيرًا إلى أنّ ذلك أثر على الخدمات الأساسية للسكان.
وبالتفاصيل رقميًا، دمر الاحتلال خلال الحرب 3.130 كيلو متر أطوال شبكات كهرباء في القطاع و655.000 متر طولي شبكات صرف صحي و2.835.000 متر طولي شبكات طُرق وشوارع، فضلًا عن تدمير 330 متر طولي شبكات مياه، وإخراج 700 بئر مياه عن الخدمة.
وبيّن الغزير أن الاحتلال أوقف عددًا من المحطات الرئيسية لتحلية المياه عن العمل، واستهدف عددًا آخر من المحطات الخاصة، فيما تعمّد الاحتلال استهداف مقرات البلديات باستثناء مقر واحد فقط، بالإضافة لتدمير ما يزيد عن 80% من مركبات البلديات في القطاع.
وعلى صعيد مدينة غزة وحدها فإنّ الاحتلال دمّر قرابة 85% من البنية التحتية للمدينة، وفق ما ذكره رئيس البلدية يحيى السراج لـ "وكالة سند للأنباء"، مضيفًا "أنّ ما يصل للبلدية من وقود غير كافٍ لتقديم 50% من الخدمات للمواطنين، وهو ما يشكل تحديًا كبيرًا أمام طواقمها.
من جانبه أفاد رئيس قسم المياه ببلدية خانيونس سلامة شراب، أنّ حصة الفرد من المياه لا يتجاوز 5 لترات يوميا في المحافظة، في ظل أن 75% من منظومة المياه في خانيونس مدمرة بشكل كامل
ونوه شراب في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" إلى وجود دمار كلي لـ 25 بئر من أصل 37 بئر، بينما تعمل بقية الآبار بكفاءة لا تتجاوز 50 % من طاقتها.
ماذا عن أضرار القطاع الصحي؟
كانت المنظومة الصحية من أهداف الاحتلال الرئيسية منذ الأيام الأولى للحرب، حيث تعرضت المستشفيات والمراكز الصحية وطواقمها للاستهداف ما أدى لإخراج 34 مستشفى عن الخدمة من أصل 38 كانت تعمل في قطاع غزة قبل اندلاع الحرب.
وقال متحدث باسم وزارة الصحة الفلسطينية خليل الدقران لـ "وكالة سند للأنباء" إنّ الاحتلال دمر 80 مركزًا صحيًا وأخرجها عن الخدمة من أصل 90 عيادة طبيّة، كما استهدف 162 مؤسسة صحية و131 سيارة إسعاف منها 105 مركبات دمرها بشكلٍ كامل.
وإلى جانب التدمير والاستهداف، فرض الاحتلال حصارًا خانقًا على دخول المستلزمات الطبية والوقود اللازم لتشغيل المستشفيات في القطاع؛ ما أدى لتدهور الحالة الصحية العامة بشكلٍ متسارع وصولًا لانهيارها، وفق الدقران.
وعلى ضوء ذلك، أشار إلى أنّ الاحتلال أخرج 80% من الخدمة الصحية عن العمل بعد استهداف مجمع الشفاء الطبي المركزي بمدينة غزة، وعطّل 60% من القدرة الإنتاجية لمجمع ناصر الطبي وأوقف العمل في المستشفى الأوروبي، بخان يونس جنوب القطاع.
وعن الخسائر البشرية في صفوف المنظومة الصحيّة، أفاد الدقران بوجود 986 شهيدًا من الطواقم الطبية (أطباء ومرضى ومسعفين)، و310 معتقلين في سجون الاحتلال الإسرائيلي.
أمراض وأوبئة وجرحى يحتاجون السفر..
ثمة أمراض عديدة انتشرت في قطاع غزة جراء الاكتظاظ في أماكن النزوح وسط انعدام مقومات النظافة العامة وانهيار المنظومة الصحية، أبرزها الكبد الوبائي وشلل الأطفال، فيما ينتظر الآلاف من المرضى والجرحى حقهم في السفر للعلاج في الخارج.
رقميًا يُخبرنا مدير عام وحدة الرعاية بوزارة الصحة موسى أبو عابد، أنّ أكثر من 71 ألف مواطن أُصيبوا بفايروس الكبد الوبائي، فيما أُصيب قرابة مليون و800 ألف إنسان بأمراض معدية نتيجة النزوح المتكرر وحرمانهم من أدوات النظافة العامة.
وفي نهاية شهر تموز/ يوليو المنصرم أعلنت وزارة الصحة، قطاع غزة منطقة وباء لـ "شلل الأطفال" بعد اكتشافه في مياه الصرف الصحي بمحافظتي خانيونس والوسطى، وبعد اكتشاف أول حالة لطفل رضيع، جرى تنفيذ المرحلة الأولى للتطعيم لـ 560 ألف طفل دون سن العاشرة، فيما ينتظر أن تُنفذ الجرعة الثانية في منتصف شهر أكتوبر الجاري.
وعبّر أبو عابد عن تخوف وزارته من انتشار الأمراض المعدية في شهر الشتاء القادم، خاصة الأمراض الصدرية؛ في ظل الأوضاع القاسية التي يعيشها النازحون في الخيام، إذ تشير المعطيات الحكومية لوجود 100 ألف خيمة أصبحت غير صالحة للنازحين.
ومنذ السابع من مايو/ أيار المنصرم تُغلق "إسرائيل" معبر رفح البري بعد احتلاله وتدميره؛ ما أدى لحرمان 12 ألف جريح و3 آلاف مريض بأمراض مختلفة حقهم في السفر للعلاج في الخارج، استنادًا للمعطيات الحكومية.
وبالانتقال لقطاع التعليم، دُمرت كليًا 125 مدرسة وجامعة فيما تضررت 336 مدرسة وجامعة جزئيًا، وقتل الاحتلال 11 ألفًا و500 طالب وطالبة، و750 من العاملين في سلك التعليم، بالإضافة لـ 115 عالمًا وأستاذًا جامعيًا وباحثًا أعدمهم خلال الحرب.
اقتصاد غزة في حالة خراب
وصفت منظمة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد" اقتصاد قطاع غزة بأنه في "حالة خراب" مؤكدةً أنّ الحرب تركت خلفها دمارًا اقتصاديا في جميع أنحاء الأرض الفلسطينية المحتلة مدفوعا بالتضخم، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، وانهيار الدخول، والقيود المالية التي شلّت قدرة الحكومة الفلسطينية على العمل.
وتبعا لتقرير "أونكتاد" فإنّ 82% من الشركات في القطاع تعرضت للتدمير والانهيار، وما بين 80 لـ 96% من الأصول الزراعية في القطاع بما في ذلك أنظمة الري ومزارع الماشية والبساتين والآلات ومرافق التخزين قد تضررت.
وانخفض الناتج المحلي بالقطاع لـ 81%، وتعرض للانكماش بنسبة 22%، فيما يعتمد 80% من السكان على المساعدات، وفقدان ثلثي الوظائف ليجعل جميع الفلسطينيين تقريبا للفقر، بحسب تقرير "أونكتاد".
من جانبه أكد الخبير البيئي ومدير مركز معًا التنموي جورج كرزم لـ "وكالة سند للأنباء" أنّ ماكينة التدمير الإسرائيلية دمرت أكثر من 80% من الغطاء الشجري والأراضي الزراعية في قطاع غزة بشكلٍ منهجي.
ولفت كرزم أن أكثر من 60% من الأراضي الزراعية في القطاع دُمرت أو تعذر الوصول إليها بسبب العدوان ما أثر على الأمن الغذائي للسكان، وساهم في انتشار الجوع على نطاق واسع في صفوف الغزيين.
وتوازيًا مع هذا التدمير، منع الاحتلال طيلة أشهر الحرب دخول المساعدات الغذائية إلى شمال القطاع، ما أدى لتفشي المجاعة وعلامات سوء التغذية في أوساط المدنيين؛ وأسفر عن استشهاد 36 فلسطينيًا، فيما يتعرض 3500 طفل لخطر الموت بسبب سوء التغذية.
الوقت اللازم لإزالة الركام؟
خَلص تقرير للأمم المتحدة إلى أنّ إزالة 40 مليون طن من الركام الذي خلّفه القصف الإسرائيلي قد يستغرق 15 عامًا، ويُعتقد أنه ملّوث بمادة الأسبستوس ومن المحتمل أنه يحتوي على أشلاء بشرية.
وبحسب التقرير ذاته فإنّ عمليات إزالة الركام تُكلّف ما بين 500 لـ 600 مليون دولار، فمتى تضع الحرب أوزارها؟