في غزة، حيث تمطر السماء موتًا، تنبت الطفولة من بين الركام مكسورة الجناح. هناك، لا يكبر الأطفال كما ينبغي، بل يُنتزع منهم العمر فجأة، ويُلقى بهم في حضن الفقد قبل أن يلفظوا "ماما" و"بابا" بطمأنينة.
هؤلاء الصغار، من نجوا بأعجوبة من الموت، ليسوا بخير.. هم من تبقّى من العائلة بعد أن ابتلعت البيوت من فيها، من استيقظوا على صمت الأمهات، ووحشة البيوت، وغياب الحكايات.
لا مدارس تُفتح، لا أمان يُمنح، ولا أحضان تنتظرهم في المساء. أطفال خلعوا طفولتهم عند عتبات الحرب، وكبروا في العراء، وبعضهم لم يجد من يناديه باسمه منذ شهور.
هنا، في غزة، يُصبح اليُتم طقسًا يوميًا، والألم رفيق طفولة مشوهة، تتحول فيها براءة الصغار إلى رماد، يتناثر فوق ركام الأحلام المنسية.
في هذا التقرير، يروي أطفال لـ "وكالة سند للأنباء" وجعهم، وتفاصيل اليتم الذي سرق منهم عالمهم وأمانهم.
"ماما تحت التراب.. بحكي معها كل ليلة"..
في زاوية خيمة مهترئة جنوب غزة، تجلس رُقيّة رشيد ذات الثمانية أعوام، تحتضن دميتها الممزقة، وتهمس لها كل ليلة كما لو كانت أمّها: "ماما كانت تقولي قبل ما تنام: رقيّة، لو يومًا ما صحيتِ وما لقيتيني، خلي الله معك. لما استشهدت، ما قدرت أنادي على حدا، بس كنت بحكي معها وأنا تحت الركام.. والليلة كمان بحكي معها، عشان ما أحس حالي لحالي".
رقيّة فقدت والدتها وأختها الصغيرة في قصف منزلهم في حي الزيتون، وبقيت يومًا ونصف تحت الأنقاض قبل أن تُنقذها فرق الدفاع المدني، والدها مفقود، لا تعلم إن كان حيًا أم التهمته النيران.
"أنا أخوهم وأبوهم.. وأنا بس 13 سنة"..
في حي النصر بمدينة غزة، يتولى الطفل يحيى صالحة (13 عامًا) رعاية إخوته الثلاثة بعد أن استشهد والده وجُرحت والدته إصابة بالغة أقعدتها، يبيع القرشلة في الطرقات، ويعود كل مساء ليُطعم الصغار ويغسل ملابسهم.
"كنت بلعب كورة مع صحابي، واليوم صرت أوقف في الطابور عشان المي. ما حدّ بعرف وجعي، بس لما أخوي الصغير ينام على صدري ويبكي عأبوي، بحسّ إني لازم أضل واقف، حتى لو تعبت".
"نفسي بصورة لماما وبابا"..
في حي الرمال بمدينة غزة فقدت الطفلة دعاء داوود (11 عامًا) 14 فردًا من عائلتها في قصف عنيف، ولم يبقَ لها أحد من أقارب الدرجة الأولى، تقيم الآن في مركز إيواء مؤقت وتشكو من كوابيس مستمرة.
"كل يوم بحلم إني برجع على بيتنا، بس بشوفه نار، ليش بس نحنا بنعيش الحزن؟ أنا نفسي يكون عندي صور لماما وبابا، ما بقيلي منهم حتى صورة".
أكبر أزمة يتم بالتاريخ..
ومنذ بدء حرب الإبادة الجماعية، بات قطاع غزة يعيش أكبر أزمة يُتْم في التاريخ الحديث، وفقًا لتقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، الذي وثّق ما يقارب 39 ألف طفل يتيم، مرجحًا أن يرتفع الرقم إلى 40 ألفًا، معظمهم فقدوا أحد والديهم أو كليهما بسبب العدوان المستمر.
في حين، قال المدير العام للمكتب الإعلامي الحكومي، إسماعيل الثوابتة، إن الأيتام يعيشون أوضاعا إنسانية مأساوية وغير مسبوقة.
وأكد الثوابتة في تصريح سابق، أن العدوان الإسرائيلي أدى لاستشهاد أكثر من 18 ألف طفل، وفقد أكثر من 39 ألفا و400 طفل أحد والديهم أو كليهما، من بينهم 17 ألف طفل حرموا كلا الوالدين.
وبيّن أن قصف الاحتلال للمنازل فوق رؤوس ساكنيها، واستهداف العائلات الآمنة بشكل مباشر، أدى إلى محو أكثر من 2172 عائلة من السجل المدني بالكامل، وإبادة أكثر من 5070 عائلة لم يتبق منها سوى فرد واحد فقط.
وأوضح الثوابتة أن معظم الأطفال الأيتام يعانون من فقدان السكن، والرعاية، والتعليم، والغذاء، بل حتى الشعور بالأمان، ويواجهون صدمات نفسية عميقة في ظل انعدام البيئة الحاضنة وغياب الاستقرار.
