كانت تبتسم للمرضى، تمسح دموع الوجع بأطراف أصابعها، وتحاول بكل ما تملك من قوة أن تمنح الحياة فرصة، رغم أن قلبها كان يحمل أكثر من ثقل هذا العالم، إيمان كوارع، الممرضة التي تحمل اسمًا يرنّ بصوت الأمل وسط جلبة الحروب، لم تكن تعرف أن مساء اليوم الاثنين سيحمل لها فاجعة لا توصف بفقدانها لزوجها الممرض أحمد صلاح وأطفالها.
خيمة صغيرة في منطقة المواصي بالقرارة شمال مدينة خانيونس، كانت تعيش فيها عائلة الممرض أحمد ماجد صلاح، الرجل الذي قضى عمره بين جدران مجمع ناصر الطبي، يحمل الألم ليخففه، ويحارب ليمنح الحياة فرصة أخرى؛ لكن الحياة توقفت فجأة، قبل أن يباغت صاروخ إسرائيلي خيمتهم البسيطة، لم يكن الموت بحاجة إلى صوت عالٍ ليُعلن حضوره، فقد كان صمت الغبار الذي غمر المكان، والهدوء الذي يعقبه كل شيء، أكثر وقاحة من أي صيحة.
الممرض أحمد، الذي وقف طيلة ساعات النهار يعالج جراح الآخرين، لم يستطع أن يحمي عائلته من الجراح التي اخترقتها شظايا الاحتلال، تلك الجراح التي لم تكن تترك أثرًا فقط على الجسد، بل على قلب وروح وذاكرة الزوجة الطبيبة إيمان كوارع.
في لحظة واحدة، انكسر عالمها، لم يعد مجرد فقدان شخص عزيز، بل ارتقاء عائلة بكاملها تحت ركام الحرب التي لا تعرف الرحمة، كيف تستمر الحياة حين يُسرق منك كل شيء؟ كيف تبقى واقفة وسط الدمار حين ينهار كل ما كنت تحمله في قلبك؟


قصتها لا تختلف كثيرًا عن قصة الطبيبة آية النجار، التي استُشهدت عائلتها بأكملها، بعدما قضى تسعة من أطفالها حرقًا في غارة استهدفت منزلها في 23 مايو/أيار 2025، ثم تبعها ارتقاء زوجها الدكتور حمدي النجار بعد أسبوع، ليكون المشهد الإنساني مرآة لمأساة لا تنتهي في غزة.
إيمان، مثل آية، ليست فقط امرأة فقدت عائلتها، بل تحارب على جبهتين: واحدة في غرف العيادة، تقدم العلاج للجرحى، وأخرى في قلبها، تحارب الألم والصمت بين دموعها، تقاوم، تحمل رسالة أعمق من الحياة نفسها: أن لا شيء يستطيع أن يكسر روح الإنسان حين يؤمن بالأمل.
ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب جرائم الإبادة الجماعية في قطاع غزة، لليوم الـ 647 على التوالي، واستهداف النازحين والمجوعين ومنتظري المساعدات الإنسانية، في ظل حصار مشدد ومتواصل منذ أكثر من 4 شهور.
