أبرزت صحيفة الغارديان البريطانية اتهام منظمة العفو الدولية الاتحاد الأوروبي بـ"الخيانة القاسية وغير القانونية" للفلسطينيين، بعد رفض وزراء خارجية الاتحاد، في اجتماعهم الأخير في بروكسل، الموافقة على فرض عقوبات على دولة الاحتلال الإسرائيلي بسبب حملتها العسكرية الوحشية على غزة، وتصاعد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية.
وأشارت الصحيفة إلى أنه وكان من المقرر أن يناقش الوزراء عشر خيارات عقوبات، منها تعليق اتفاقية الشراكة والتعاون بين الاتحاد الأوروبي ودولة الاحتلال، كوسيلة للضغط على الحكومة الإسرائيلية لوقف الانتهاكات المستمرة ضد الفلسطينيين.
إلا أن هذه الخيارات قوبلت بمعارضة شديدة من دول عدة داخل الاتحاد، أبرزها ألمانيا والمجر وجمهورية التشيك، حيث لجأت الأخيرة لاستخدام حق النقض ضد أي عقوبات ضد المستوطنين الإسرائيليين.
وقالت الأمينة العامة لمنظمة العفو الدولية، أغنيس كالامار، إن رفض الاتحاد الأوروبي اتخاذ إجراءات جادة ضد دولة الاحتلال "يعد خيانة قاسية وغير قانونية للمشروع الأوروبي ولحقوق الإنسان للفلسطينيين". وأضافت: "هذا القرار سيُذكر كواحد من أكثر اللحظات المخزية في تاريخ الاتحاد الأوروبي".
الأزمة الإنسانية في غزة تتفاقم وسط تعثر المساعدات
تواجه غزة، التي يعيش فيها أكثر من 2.1 مليون نسمة، أزمة إنسانية كارثية بسبب الحصار المستمر والعمليات العسكرية الإسرائيلية. وبحسب تقارير الاتحاد الأوروبي، تم رفع وتيرة إدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع لتصل إلى نحو 80 شاحنة يوميًا، إلا أن صعوبات كبيرة لا تزال تحول دون وصول المساعدات بشكل كافٍ إلى السكان المحتاجين.
وأفادت تقارير من غزة باستشهاد ما لا يقل عن 139 شخصًا خلال 24 ساعة في نقاط توزيع الغذاء، بينهم نساء وأطفال، فيما استشهد حوالي 850 فلسطينيًا منذ مايو/أيار أثناء انتظارهم الحصول على المساعدات في مواقع تديرها مؤسسات لوجستية مدعومة من إسرائيل.
ومع استمرار الوضع المأساوي، دعت مفوضة الاتحاد الأوروبي للمساعدات الإنسانية، حاجة لحبيب، السلطات الإسرائيلية إلى تنفيذ الاتفاقات الإنسانية بسرعة، مشيرة إلى أن "كل دقيقة ضائعة تعني حياة ضائعة".
دبلوماسية الاتحاد الأوروبي بين التوتر والجمود
قالت كايا كالاس، الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية، إن الاتحاد "سيبقي الخيارات مطروحة" للضغط على دولة الاحتلال في حال عدم تحسن الوضع الإنساني، لكنها رفضت في الوقت نفسه دعم أي عقوبات فورية، مؤكدة أن الهدف "ليس معاقبة (إسرائيل)، بل تحسين حياة الفلسطينيين".
ومع ذلك، شددت مصادر دبلوماسية على أن المراجعة الأولية للاتحاد أظهرت "مؤشرات واضحة" على انتهاكات دولة الاحتلال لالتزاماتها الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان. لكن الخلافات بين الدول الأعضاء والعلاقات المتشابكة مع تل أبيب حالت دون اتخاذ خطوات ملموسة.
ويبدو أن ألمانيا والمجر، القويّتان الداعمتان لإسرائيل، تصران على عرقلة أي تحرك ملموس، مستفيدين من آليات التصويت التي تتطلب الإجماع لاتخاذ قرارات ملزمة. فيما اكتفت دول أخرى، مثل أيرلندا، بانتظار مقترحات أكثر تحديدًا من المفوضية.
إدانة فشل الاتحاد الأوروبي في المساءلة
انتقد كلاوديو فرانكافيلا، القائم بأعمال مدير مكتب الاتحاد الأوروبي في هيومن رايتس ووتش، سلوك الوزراء الأوروبيين، قائلاً: "مرة أخرى فشل وزراء الاتحاد في تقديم الدعم الكافي لمحاسبة إسرائيل، واكتفوا بوعد وهمي بإرسال بضع شاحنات مساعدات".
كما أبرزت التقارير كيف أن الاتحاد الأوروبي بات يُظهر انحيازًا مرفوضًا من قبل المجتمع الدولي المراقب، حين يفضل استرضاء دولة الاحتلال عبر المساعدات والشراكات، على حساب تطبيق القانون الدولي وحماية حقوق الفلسطينيين.
وأكدت منظمات حقوق الإنسان أن مثل هذا الصمت الأوروبي يشجع دولة الاحتلال على استمرار انتهاكاتها، من القتل والتهجير إلى تدمير البنى التحتية، في وقت تتفاقم فيه الأزمة الإنسانية بشكل غير مسبوق.
مسارات المستقبل: هل تتغير مواقف الاتحاد الأوروبي؟
في ظل هذه الأزمة، يراقب الاتحاد الأوروبي الوضع عن كثب، مع تقديم تحديثات دورية لكل الدبلوماسيين، وتحضير سيناريوهات للتحرك في حال تفاقم الوضع.
لكن حتى الآن، لا يبدو أن الاتحاد الأوروبي مستعد لاتخاذ قرارات قد تؤدي إلى فرض عقوبات حقيقية على دولة الاحتلال، وهو ما أثار تساؤلات عن جدوى هذه السياسة المزدوجة التي لا تلبي تطلعات الفلسطينيين ولا تعكس القيم الأوروبية التي تدعي حماية حقوق الإنسان.
ويترقب الفلسطينيون والعالم أن يتحول الاتحاد من مجرد مراقب سلبي إلى لاعب فعال في الضغط على دولة الاحتلال لوقف الاعتداءات، واحترام القانون الدولي، وإنهاء المعاناة المتواصلة في غزة والضفة الغربية.
