تعيش غزة اليوم واحدة من أسوأ أزماتها الإنسانية، إذ يواجه أكثر من مليوني إنسان خطر العطش وسط توقف شبه كامل لمصادر المياه الأساسية، وتضاعف ارتفاع درجات الحرارة أزمة المياه سواءً العذبة أو مياه الاستخدام اليومي.
وتوقفت مياه خط "ماكروت" الإسرائيلي الذي كان يغذي القطاع بكميات حيوية من المياه العذبة، كما توقفت محطة التحلية الرئيسية في دير البلح وسط القطاع عن العمل بسبب انقطاع التيار الكهربائي ونفاد الوقود اللازم لتشغيلها.
في الوقت ذاته، تواجه بلديات غزة أزمة حادة مع نفاد الوقود المخصص لتشغيل الآبار ومحطات الضخ، ما أدخل القطاع في حالة عطش غير مسبوقة، تهدد حياة السكان، وتفاقم المعاناة في ظل حصار خانق وعدوان مستمر.
وفي هذا السياق، حذّر رئيس بلدية دير البلح، نزار عياش، من تفاقم أزمة العطش غير المسبوقة التي يعاني منها عشرات الآلاف من النازحين والمواطنين في وسط وجنوب قطاع غزة، في ظل توقف المحطة الرئيسية لتحلية المياه وانقطاع التيار الكهربائي المستمر منذ بداية الهجمة الإسرائيلية الأخيرة على القطاع.
وأوضح عياش لـ "وكالة سند للأنباء" أن "مدينة دير البلح كانت تعتمد على ضخ نحو 1600 كوب من المياه المحلاة يوميًا، إضافة إلى خط "ماكروت" الذي كان يضخ كميات كبيرة من المياه العذبة، ما ساهم سابقًا في تمويل مناطق واسعة منها محافظة خانيونس بمياه الشرب، وساعد في تحقيق حالة من الاستقرار النسبي للمولدات ومحطات الضخ.
لكن مع توقف خط "ماكروت" وانقطاع الكهرباء، توقفت تمامًا عمليات التشغيل في محطة التحلية بدير البلح، ما أدى إلى فقدان المياه الحلوة بشكل كامل، في وقت لا توجد فيه أية كميات كافية لتلبية احتياجات السكان، وفق عياش.
وأشار إلى أنّ دير البلح، التي يبلغ عدد سكانها نحو 100 ألف نسمة، إضافة إلى آلاف النازحين الذين لجأوا إليها من مناطق أخرى، تواجه أزمة مياه حادة، مع عجز البلدية عن توفير الحد الأدنى من كميات المياه اللازمة للشرب والاستخدام اليومي.
وناشد المؤسسات الدولية والإنسانية التدخل العاجل لإيجاد حلول لأزمة المياه، التي تهدد حياة السكان وتفاقم معاناتهم في ظل كارثة إنسانية غير مسبوقة تشهدها غزة.”
بلدية خانيونس: الوضع المائي أكثر من خطير
من جانبه وصف رئيس قسم المياه في بلدية خانيونس، سلامة شراب، الوضع المائي بالمدينة بالأكثر من خطير؛ في ظل توقف خط "ماكروت" المغذي الرئيسي للمدينة؛ الذي يزوّد المدينة بـ4 آلاف لتر مكعب يوميا؛ إلى جانب وقوع 90% من آبار ومصادر المياه بالمدينة تحت نطاق العمليات العسكرية الاسرائيلية هناك.
وأوضح شراب لـ "وكالة سند للأنباء"، أنّ الآبار والخزانات أصابها أضرارًا كبيرة منذ المرحلة الأولى من حرب الإبادة التي يشنها الاحتلال؛ لافتًا إلى أنّ 75% من منظومة المياه في خانيونس مدمرة بشكل كامل، لافتًا أنّ 25 بئر مياه تعرضوا لدمار كلي من أصل 37، فيما تعمل بقية الآبار بكفاءة لا تتجاوز 50 % من طاقتها.
وبين أن العجز في توصيل المياه لا يقتصر على منطقة المواصي المكتظة بالسكان، بل يشمل مختلف أحياء خانيونس، مشيرًا إلى وجود خزانين رئيسيين غرب المدينة، إلا أنهما فارغان تماماً بسبب تدمير الآبار المغذية لهما بشكل شبه كامل.
وتابع: "خزان البراق مثلاً، فقد 8 من أصل 10 آبار كانت تغذيه، إضافة إلى تعطل الخطوط الناقلة للمياه والتي لم تتمكن البلدية من ترميمها حتى اللحظة"؛ نتيجة وقف كافة التدخلات الدولية لإعادة الإعمار وترميم البنية التحتية، في انتظار نهاية الحرب.
وناشد "شراب" الجهات الدولية بضرورة السماح للفرق الفنية في البلدية باستكشاف خط ماكروت خلال الساعات القادمة، لمعرفة حجم الأعطال والعمل على إصلاحها، مبينًا أن هذا الخط يغذي نحو 60% من منطقة المواصي بالمياه، ما يعني إنقاذ حياة قرابة 700 ألف مواطن يقيمون هناك.
وأكد أن كميات الوقود المتوفرة حاليًا لا تغطي سوى 20% من الاحتياجات اليومية لتشغيل مرافق المياه، سواء لإنتاج المياه أو لإعادة ضخها وتوزيعها، محذراً من كارثة إنسانية إذا استمر الوضع على هذا النحو دون تدخل عاجل.
ماذا عن محافظتي غزة وشمالها؟
تعيش مدينة غزة الأزمة ذاتها، وقد احتدت منذ أسبوعين بسبب الأوضاع الأمنية وكثافة القصف الجوي والمدفعي خاصة في الأحياء الشرقية من المدنية.
وقال المتحدث باسم بلديات غزة حسني مهنا، إنّ ما يصل إلى مدينة غزة حاليًا لا يزيد عن 15% من إجمالي احتياجها الفعلي للمياه؛ بسبب استهداف الآبار، وعدم توفر الوقود اللازم لتشغيل ما تبقى منها، بالإضافة إلى ضعف منظومات الطاقة الشمسية والبطاريات بسبب إطالة أمد الحرب.
وأوضح مهنا في تصريحٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" أنّ الحرب تسببت في خروج نحو 100 بئر مياه عن الخدمة، ولم يتبق سوى 19 بئرًا فقط تعمل وتزوّد سكان مدينة غزة بالمياه، هذا يعني أن أكثر من 80% من مصادر المياه أصبحت خارج الخدمة.
وأشار إلى أنّ الاحتلال دمر محطة تحلية المياه في شمال غرب مدينة غزة، والتي كانت تنتج حوالي 15 ألف كوب يوميًا، أي ما يقارب 10–15% من احتياج المدينة، لكن اليوم المحطة خرجت بالكامل عن الخدمة.
أما خط مياه "ماكروت" القادم من الأراضي المحتلة، فتتحكم به سلطات الاحتلال بشكل كامل، حيث تفتح وتغلق المحابس في الأوقات التي تريدها، دون أي التزام بالاتفاقات أو القوانين، مما يقلل من استفادة المواطنين منه.
وأوضح أن متوسط حصة الفرد من المياه هبط إلى أقل من 3 لترات يومياً، وهي كميات لا تكفي للاستخدامات الأساسية، محذراً من تفشي الأمراض نتيجة شح المياه وصعوبة تأمين النظافة الشخصية والعامة، خاصة في مراكز الإيواء المكتظة.
وأضاف مهنا أن الاحتلال يواصل منع دخول الوقود اللازم لتشغيل محطات التحلية والآبار، ما تسبب في توقف محطة دير البلح ومحطات ضخ المياه في غزة وشمال القطاع، مشيرًا إلى أن البلديات باتت عاجزة تماماً عن توفير الحد الأدنى من كميات المياه للسكان.
