حين يصبح الجوع أشد فتكاً من القنابل، أمعاء خاوية وأجساد تصارع الجوع والموت، بحفنة من طحين مفقود أو قليلٍ من عدسٍ غير موجود، تناشد دون جدوى وتصرخ أمام عالمٍ أصم تعامى عن مليوني شخص بلا طعام بكل ما تحمله الكلمة من معنى وقسوة.
ويواجه فلسطينيو القطاع موجة الجوع منذ إغلاق الاحتلال معابر غزة، مطلع مارس/ آذار المنصرم، وفرض قيود مشددة على دخول المساعدات الغذائية والإغاثية والوقود والدواء، للقطاع منذ أكتوبر/ تشرين 2023 الماضي.
ومع مرور الوقت، استنفد سكان غزة كل موارد الطعام وأصبحت المحلات فارغة، ومسألة العثور على رغيف خبز أشبه بالمستحيل، فيما تشهد أسعار المتوفر من البضائع أسعارًا خيالية، حتى بات "الموت جوعًا" سببًا من أسباب الموت في القطاع وأشرسها.
وتشهد مستشفيات قطاع غزة وأقسام الطوارئ أعدادا غير مسبوقة من المواطنين المجوّعين من كل الأعمار، يصلون في حالات إعياء شديد وهزال مخيف وضعف كامل، حيث أنهكهم الجوع ونحلت أجسادهم بشكل صادم.
وفي هذا السياق، قالت وزارة الصحة الفلسطينية، إنّ المئات من الذين نحلت أجسادهم سيكونون عرضة للموت المحتم نتيجة الجوع وتخطي قدرة أجسادهم على الصمود.
وذكرت وزارة الصحة، أنّ 17 ألف طفل يعانون من سوء التغذية الحاد في القطاع، مشيرة إلى أنه يتم التعامل مع مرضى لديهم حالات من الإجهاد وفقدان الذاكرة الناتجة عن الجوع الحاد.
وأكدت، الوزارة أن المستشفيات ليس لديها أسرة طبية وأدوية تكفي العدد الهائل من المصابين بسوء التغذية الحاد.
وتصف إحدى السيدات المجوَّعات في قطاع غزة حالها المنهك وقد غاب الطعام عن معدتها الفارغة منذ 5 أيام.
وتقول في أحد الفيديوهات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي: "يصيبني الدوار ولا أقوى على المشي، أمشي قليلاً وأجلس قليلاً، بينما لم آكل منذ 5 أيام".
وتزيد السيدة التي تعيش لوحدها في إحدى مراكز النزوح:" لا معيل لي، والدي توفيا، وإخوتي فرقتهم الحرب التي منعت حتى طريقاً للوصول إليهم".
الناس يتساقطون حرفيًا في شوارع غزة من شدة الجوع، بسبب المجاعة التي فرضتها أمريكا وإسرائيل.
— محمد حسن (@HassaMoham) July 17, 2025
والعالم العربي والاسلامي والدولي؟
ساكت، يتفرّج، ولا يحرك ساكنًا.
هذه السيدة لم تأكل شيئًا منذ خمسة أيام. pic.twitter.com/l6BvGAKbMc
وترى في مشهد مماثل قهر الرجال ودموع كالأطفال، فهذا الرجل المسن أعياه التعب وقد بات جائعاً لم يذق طعم الطعام منذ أيام.
عندما يبكي الرجال في غزة، لا يبكون ضعفًا، بل من قهر الجوع ومرارة العجز.
— غزة الآن - Gaza Now (@nowgnna) May 20, 2025
رجل يائس، صوته مبحوح ودموعه تسابق كلماته، يصرخ بحرقة:
"ثلاثة أيام لم أذق فيها لقمة خبز… أنا أموت من الجوع."
ليست كلمات، بل نداء استغاثة من قلبٍ أنهكته المجاعة، وكرامة تُذبح بصمت.
في غزة، الجوع ليس حالة… pic.twitter.com/u2HGgTgHtm
ومن بقايا الطحين المتناثر على الأرض وقد اختلط بالتراب، يجمع هذا الطفل حفنة منه عله يسد رمقه وعائلته في ظل المجاعة القائمة.
طفل في غزة يبحث بين ذرات الطحين ليسدّ جوعه ويساعد أسرته وسط مجاعة خانقة وإبادة جماعية وصمت العالم. pic.twitter.com/fgSkqOA3pJ
— #القدس_ينتفض 🇵🇸 (@MyPalestine0) July 13, 2025
أطفال يئنون من الجوع، ولا تسمع من أفواههم إلا "جوعان بدي خبز"، في وقتٍ أصبح في الطحين أغلى من الذهب وأثمن من أي شيء.
أما هذه السيدة وتحت أشعة الشمس تقول:" رحموا الأطفال وارحمونا، من الساعة 6 الصبح بدوّر على كيلو عدس وما فيه"..
"ارحموا الأطفال وارحمونا، من الساعة 6 الصبح بدوّر على كيلو عدس وما فيه"..
— شبكة قدس الإخبارية (@qudsn) July 18, 2025
سيدة تتحدث عن جحيم المجاعة المستمرة في قطاع غزة. pic.twitter.com/oYrC1QD9oa
وفي إطار متابعتها، رصدت "وكالة سند للأنباء"، بعضاً من المواقف إزاء نفاد الطحين والمستلزمات الغذائية، وحالة القهر التي يعيشها أهالي القطاع.
وكتبت الصحفية أمل حبيب على حسابها في فيسبوك:" مش عارفة أنام، كيف أنام وأنا عالقة بمشهد خناقة ولادي الصغار ع نص رغيف خبز تنازلت فيه من حصتي إلهم، كيف ممكن أعتذر لصغاري عن بشاعة الحياة اليّ بنعيشها في غـزة، حياة ما بتشبه عزيز النفس، اليّ صار ع آخر العمر جوعان!".

أما الصحفية بثينة اشتيوي، فقد روت قصة ابنة أختها الطفلة، التي ظنت بإمكانها أن تحصل على رغيف خبز دَيناً:" أمس، نفد الطحين من بيت أختي بعد أن وزعت آخر ستة أرغفة على أبنائها، ليدبّروا بها أمرهم صباحا ومساء برغيف لا يسدّ رمق الجوع، ولا يردّ عنهم العجز.
لكن طفلتها الصغيرة، ذات الخمس سنوات، لم تفهم بعد معنى الجوع، ولا تستوعب أن يُقال لها: "هذا آخر رغيف خبز لكِ".
دخلت الطفلة في موجة من الخوف على الغد، وأخذت تسأل إخوتها بكل براءة "ممكن تعطوني رغيفكم دين، لحتى ييجي إلنا طحين؟"

ومن خلال التغطية الميدانية، كتب الصحفي إسلام بدر:

ويرجو مليونا مواطنٍ غزِّي لقمة واحد تسد رمقهم، وتُشبع بطون أطفالهم، في ظل اشتداد الحصار الخانق على القطاع.


أرقام مرعبة..
وكشف المكتب الإعلامي الحكومي عن حصيلة جديدة لكارثة الجوع التي يعاني منها أهالي قطاع غزة، جراء التعنت الإسرائيلي والإغلاق المستمر لمعابر قطاع غزة منذ 140 يوماً، إذ بلغت حالات الوفاة نتيجة سوء التغذية 70 طفلًا، بينما توفي 620 مريضاً بسبب سوء التغذية ونقص الدواء في ظل استمرار الحصار، وغياب أي تدخل فعَّال لوقف الكارثة الإنسانية المتفاقمة، حتى اللحظة.
وحذر المكتب الحكومي من أن الموت يهدد 650 ألف طفل بسبب سوء التغذية والجوع ونقص الغذاء، فيما وصف لمدير العام لوزارة الصحة منير البرش الوضع بأنه سياسة ممنهجة للتجويع تتجاوز كل حدود الإنسانية، مشيرًا إلى أن هناك نوعين من الإبادة الجماعية يواجههما القطاع: الإبادة المباشرة عبر القصف والقتل، والإبادة الصامتة عبر التجويع المنهج.
من جهتها، قالت "شبكة المنظمات الأهلية الفلسطينية" إن القطاع يمر حاليا بأسوأ مراحل الكارثة الإنسانية، نتيجة سياسة التجويع الإسرائيلية.
وحذرت الشبكة من تسجيل وفيات، لا سيما بين الأطفال وكبار السن، نتيجة سياسة التجويع، وطالبت بإدخال المساعدات إلى غزة فورا، في ظل انعدام كامل للطحين بالقطاع.
