لم تكن هلا عرفات رقمًا يُضاف إلى قوائم الشهداء، ولا وجهًا يختفي خلف الركام ثم تُنسى الحكاية، كانت صوتًا من تحت الأرض، يخرج خافتًا ومذبوحًا، يستنجد بالحياة بعد أن أحاطها الموت من كل الجهات.
كانت "هلا" أنفاسها الأخيرة مزيجًا من الحصى والتراب والدخان، ومن الانتظار الموجع الذي يُكسر فيه صوت القلب ولا يُكسر الصمت الذي فرضته الآلة الحربية الإسرائيلية.
هناك، تحت منزلها الذي تهدّم فوق رأسها، كانت تُنادي، تهمس، تحاول النجاة وحدها بعد أن خذلها العالم، تقول: "أنا هان بس ارفعوا الحجار عني"، فيرد الركام بالصمت، وترد السماء بالمزيد من الصواريخ.
لا طواقم إسعاف وصلت، ولا تنسيق جاء، ولا أحد سمع بكاءها إلا شقيقها الذي خاطر بروحه ليصل، ثم اختبأ أربع ساعات بين الموت والرماد، ظلت هلا عرفات لأكثر من عشرين ساعة تحت الركام، تصارع الاختناق، وتتمسك بالحياة بما تبقّى لها من أنفاس.
لم تكن تعرف وهي في العتمة والحطام، أن زوجها وأطفالها قد رحلوا قبلها، وأن البيت الذي جمعهم ذات حبٍّ، قد انطفأ بمن فيه، قاومت الجراح والانتظار، حتى إذا أخرجوها، كانت روحها قد لحقت بمن أحبت، لتُختم الحكاية كما بدأت: بالعائلة كلّها معًا، لا ينقصهم أحد.
"وكالة سند للأنباء" استمعت إلى شقيق الشهيدة هلا عرفات، حسام، الذي روى تفاصيل الساعات العصيبة التي عاشتها العائلة بعد قصف المنزل، قال حسام إن شقيقته بقيت لأكثر من عشرين ساعة تحت الركام، يسمعون أنينها المتقطع، ويحاولون الوصول إليها رغم صعوبة الوصول بسبب كثافة الأنقاض وخطورة المكان.
"الوقت عدوّي"..
يروي حسام عرفات، شقيق الشهيدة هلا، تفاصيل الساعات الأخيرة التي عاشتها شقيقته تحت أنقاض منزلهم المدمر في حي التفاح، شرق مدينة غزة، لم تكن مجرد مأساة عابرة، بل صورة صارخة للعجز والخذلان حين يُترك الإنسان وحيدًا يواجه الموت، ويصرخ للنجدة دون أن يأتي أحد.
يقول "عرفات" إن العائلة كانت تسكن جميعًا في منزل واحد، وحين خرج والدهم وزوجة شقيقه وأطفاله لتعبئة المياه في ظل انقطاعها الطويل، باغتتهم طائرات "الكوادكابتر" بإطلاق نار مباشر وقنابل دخانية، هرب الجميع إلى داخل المنزل، لكن الغارات لا تتوقف، والغاز الخانق يغزو المكان، اختنقت العائلة الواحدة تلو الأخرى، يحاولون مساعدة بعضهم على التنفس، لكن الدخان كان أسرع من أن يُقاوَم.
ويوضح أن القصف وقع عند الساعة الواحدة والنصف ظهرًا، وكان حينها في منزل يبعد نحو أربعة كيلومترات، يحاول الوصول، لكن الخطر يمنعه، فيرسل شقيقًا آخر لتفقد المكان، يصل الأخير بصعوبة، ويبدأ بالصراخ وسط الركام: "في حد عايش؟"، لتأتيه الإجابة بصوت خافت: "هيني هون.. بس ارفعوا الحجار عني"، كانت هلا لا تزال على قيد الحياة.
يرفع الشقيق بعض الركام عن وجهها، لكن رصاص الكواد كابتر يعود لينهمر فوق المكان، يختبئ بين الأنقاض، ويخبر هلا أنه سيصوّر مقطعًا لطلب تدخل الصليب الأحمر لتنسيق دخول طواقم الدفاع المدني، يصوّر نداءها، ثم تعاود الطائرات القصف من جديد، ويختفي الشقيق أربع ساعات، تظن العائلة أنه استُشهد هو الآخر، قبل أن يعاود الاتصال ويروي ما حدث.
تنتظر هلا تحت الأنقاض أكثر من عشرين ساعة، تظل على قيد الحياة، تصارع الغبار والحرّ والظلام، وتترقب أي يد تمتد إليها، يحرص أهلها على عدم إخبارها باستشهاد زوجها وأطفالها، حتى لا تنهار، يتواصلون كل عشر دقائق مع الدفاع المدني، لكن الرد واحد: "لا يوجد تنسيق بعد"، الوقت يتجمّد، والدقائق تمرّ ثقيلة، والأنفاس في كل بيت تلهث أملاً بالنجاة.
يؤكد حسام أن المنطقة كانت خالية من السكان، لا صوت فيها إلا للقذائف، ولا حركة سوى الركام الذي يعلو الضحايا، يقول إنهم كانوا على يقين بأن الوصول إلى هلا قبل الغروب كان كفيلًا بإنقاذها، لكن التأخير كان مميتًا، والصمت أطول من أن يُحتمل.
ويضيف: "الوقت عدوّي، الوقت لا يمشي، والتنسيق لا يأتي، لم يكن بيدنا شيء، كنا فقط ننتظر، نحاول، وندعو، وإن كُتبت لها النجاة، فربما كانت ستموت حين تعلم أن زوجها وأولادها سبقوها إلى الموت، لكن هكذا شاء الله أن يجمعهم معًا، في الموت، كما جمعهم في الحياة".
ويختم أنه ما يزال 12 فردًا من العائلة تحت الأنقاض حتى الآن، ولا تزال العائلة تنتظر أن يُسمح لها بانتشال أجسادهم ودفنهم بكرامة.
"لدينا إصرار رغم الخطر"..
أمّا المسعف المتطوع في الهلال الأحمر الفلسطيني، فارس عفانة يتحدث عن أصعب الشهور التي مرت على الطواقم الطبية في غزة، حين انقطعت الاتصالات والإنترنت كليًا، وغيّبت عنهم نداءات الاستغاثة المعتادة.
يقول "عفانة" إنهم لم يكونوا بانتظار اتصال أو بلاغ، بل كانوا يستدلّون على أماكن القصف من خلال أصوات الانفجارات وأعمدة الدخان المتصاعدة في السماء، ما إن يسقط صاروخ حتى يتحركوا فورًا لتحديد وجهته، وتنطلق مركبات الإسعاف باتجاه الموقع المستهدف، دون تردد.
وفي سؤالنا عن كيفية الوصول للضحايا في ظل انقطاع الاتصال، يجيب: "في كثير من الأحيان نصل بسرعة ونجد المنزل مدمرًا، والعشرات من المدنيين بين شهداء ومصابين، نتعامل مع الإصابات بما نملك، أحيانًا دون أدوات كافية، لكننا لا نتأخر".
ويوضح أنه بعد عودة الاتصالات جزئيًا، باتت الطواقم تتلقى بلاغات بشكل مباشر، إلا أن التحديات لم تتراجع، بل ازدادت، خاصة بعد الانسحاب القسري من مستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة، يقول إنهم أعادوا تمركزهم في ميدان فلسطين وبمنطقة الشيخ رضوان، ومن هناك تُحرّك مركبات الإسعاف حسب ما ترد من نداءات.
وفي سؤالنا عن تأثير هذه المشاهد على نفسية المسعفين، يروي فارس: "نعرف أننا سنتعامل مع أطفال ونساء تحت الركام، وقد نجدهم شهداء أو مصابين بحروق وأشلاء، هذه مناظر تُنهك القلب، وتترك أثرًا لا يزول، بعض زملائنا وجدوا أقرباءهم بين الضحايا، أو أبناءهم، لكن رغم الصدمة يواصلون العمل".
ويشرح أن سبب التأخير في الوصول للمصابين لا يعود فقط للضغط الهائل، بل أيضًا لصعوبة وصول الإشارات، أو لنقل المصابين بسيارات مدنية أو عربات بدائية قبل وصول سيارات الإسعاف، يبين: "التواصل مع الناس صعب، والمسافات بعيدة، وبعض المناطق ممنوع دخولها بوجود الاحتلال، مثل ما يسمى المناطق الحمراء".
وفي سؤالنا عن المواقع التي لا تزال معزولة، يوضح أن هناك منازل مستهدفة لا يمكن الوصول إليها حتى الآن، خاصة في المناطق الواقعة بعد شارع صلاح الدين وشارع يافا، والتي أصبحت خطرة جدًا. يضيف: "أحيانًا يبقى الناس تحت الأنقاض أسبوعًا دون أن نتمكن من الوصول إليهم".
ويكشف فارس أن 80% من مركبات الإسعاف والطوارئ تعرضت للتدمير، وأن ما تبقى يعمل بأعطال متكررة، "البنية التحتية مدمرة، والطرقات غير صالحة، وهذا كله يعيقنا عن الوصول السريع للمصابين".
وحين سألناه عن شعورهم وهم يتوجهون إلى كل مهمة، يجيب بصدق: "في كل مرة نخرج فيها، نعلم أن احتمال عدم العودة وارد، الاحتلال لا يحترم أي قانون إنساني، ويستهدفنا بشكل مباشر، لكن لا خيار لنا إلا أن نواصل، لأن شعبنا يحتاجنا، والجرحى لا ينتظرون ظروفًا أفضل".
يختم حديثه بإصرار: "رغم الخطر الكبير، الطواقم الطبية مصممة على الاستمرار، نؤمن بعملنا الإنساني، ونعرف أن كل دقيقة تأخير تعني روحًا تُزهق، لذلك نواصل، حتى لو كان الطريق كله موت".
