كان يعدّ الأرقام كما تُعدّ الأحلام، يركض بين المسائل كما لو كان في ملعبه الخاص، لا يخطئ ولا يتردد، وكأن الرياضيات وُجدت لتُشبهه، أحمد سكينة (12 عامًا)، الطفل الذي لم يكن عاديًا، وُلد وفي عقله خوارزميات تتقافز بخفة، وعيناه تلمعان بشغفٍ لا يُدركه من هم في مثل عمره.
حين كان زملاؤه يتلعثمون في جدول الضرب، كان هو يحلّ المعادلات بخفة ساحر، ويبتسم بثقة العلماء، لكن الحرب جاءت، لا تُفرّق بين عبقري وأمي، بين صغيرٍ يفتح أبواب الحلم، وجدرانٍ تنهار عليه بلا إنذار.
شظية واحدة كانت كفيلة بأن تُسكِت كل تلك المعادلات، أن تحبس اللغة في صدره، والحركة في جسده، والحياة في دموعه، ومنذ تلك اللحظة، لم يعد أحمد يُحلّ المسائل، بل صار هو المسألة الصعبة التي تنتظر من يمدّ يده للحل.
"وكالة سند للأنباء" تحدثت مع والدة الطفل أحمد، السيدة عطيات، التي روَت لنا قصة ابنها الذي كان نابغًا في الرياضيات، وكيف تغيّرت حياته فجأة بعد الإصابة، بصوتٍ يملؤه الحزن والقهر، تحدثت عن تفاصيل مرضه، وتحديات التواصل معه، وأحلامه التي لم تنطفئ رغم الألم.
"عبقري رياضيات"..
تقول عطيات أحمد سكينة، والدة الطفل أحمد (12 عامًا)، إن ابنها لم يكن طفلًا عاديًا، بل عبقري رياضيات صغير، وُلد وفي عقله خوارزميات لا يتقنها سوى الكبار.
وتسرد بفخرٍ لا يخلو من الحنين، كيف كان أحمد يحلّ المسائل المعقدة في ثوانٍ، ويجري عمليات الجمع والطرح والضرب والقسمة دون أن يُمسك قلمًا أو ورقة، فقط بعقله النابض بالحساب، مؤكدةً أن أحمد حفظ جدول الضرب وهو في السادسة من عمره، وشارك في مسابقات مدرسية داخلية بين المدارس، وكان دائمًا الأول بلا منازع.
ولا تنسى أن تعبّر بحرقة عن شغفه اللامحدود بالعلم، فتقول: "كان يحدّثني مرارًا عن حلمه الكبير بالسفر إلى الخارج، إلى قطر تحديدًا، ليتعلم اللغات ويطور نفسه، كان يردد بثقة: أريد أن أكون مفيدًا لبلدي، وكأن قلبه أكبر من جسده الصغير"
لكن، وبنغمة يختلط فيها الألم بالعجز، توضّح "عطيات" أن كل هذا الانبهار انقلب فجأة إلى كابوس، وبينما كانت العائلة نازحة قرب سجن أصداء في شارع خمسة غرب مدينة خانيونس، أصيب أحمد بشظية في رأسه من الجهة اليسرى، وكانت النتيجة مأساوية، شلل نصفي في الجهة اليمنى، فقدان كامل للنطق، وعجز تام عن الحركة والمشي وحتى التعبير بالكلام.
وبنبرة مختنقة، تبيّن أن الإصابة طالت الدماغ مباشرة، مسببةً التهابات وصديدًا بدأ ينهش خلايا المخ شيئًا فشيئًا، واصفةً حالته الصحية بأنها "بالغة الصعوبة"، ومؤكدة أن أحمد يعيش الآن على حافة الوجع، لا يملك من أدوات التعبير سوى دموعه التي تنهمر حين يؤلمه شيء، أو حين يعجز عن إيصال مشاعره.

وماذا عن وسيلة التواصل بينكما؟ تجيبنا بقهرٍ يعتصر قلبها: "أحمد لا يتكلم.. لا يصرخ.. لا يشرح ألمه، فقط يبكي، حين يجوع، يشير إلى فمه، وحين يشعر بالحمى، يلمس عينيه، هذه هي لغة طفلي الوحيدة الآن".
وبين تنهيدة وأخرى، تشير "عطيات" إلى أن التواصل بينهما لم ينقطع، رغم كل شيء، لكنه بات قائمًا على الإشارات فقط، على اليد اليسرى التي بقيت تتحرك، وكأنها تحاول وحدها أن تُبقي الطفل حيًا في وجه العجز.
وتضيف بأسى: "أحمد لم يفقد فقط صحته، بل فقد والده شهيدًا، وفقد شقيقه الأكبر شهيدًا أيضًا، واليوم، يعيش على فرشة، عاجزًا عن الحركة أو الكلام، بلا أب أو أخ، فقط أنا وألمه الممدد أمامي كل لحظة".
وفي محاولة للنجاة بما تبقى من حياة في طفلها، تطالب بإلحاح بإرسال أحمد للعلاج في الخارج، وتؤكد أن التقارير الطبية والتحويلات جاهزة، لكن الوقت يمرّ والمرض يزداد فتكًا برأسه يومًا بعد يوم.
وتشرح بمرارة تفاصيل احتياجاته اليومية: بيئة نظيفة، أدوات نظافة شخصية، كرسي متحرك، حفاضات، فرشة هوائية، أبسط مقومات الحياة التي لا تتوفر في خيام النزوح، ولا تحت القصف.
وبصوت يختلط فيه الرجاء بالخوف، ترفع نداءها إلى العالم: "أنقذوا طفلي الخوارزمي، أنقذوا عقله من الموت البطيء، لا يزال في قلبه حلم، لا تزال لديه طاقة للتميّز، فقط يحتاج من يؤمن به ويمد له يد العون".
وتختم "عطيات" بكلمات تخرج من عمق قلبها، "كان أحمد بطلي الصغير، يساعدني في كل شيء، يناولني الأغراض، يملأ البيت حيوية، أما اليوم، فلا يملك إلا دموعًا تنهمر بصمت، فهل من قلب يسمع نداءه؟"
