كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، في تقرير نُشر منتصف الأسبوع الماضي، عن قرار سلطات الاحتلال استئناف الدفع بالمخطط الاستيطاني في منطقة E1 الواقعة شرقي القدس، وذلك للمرة الأولى منذ عام 2021.
هذا التطور يعيد إحياء المخاوف من فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها، ويضع مستقبل الدولة الفلسطينية على المحك.
ووفق الصحيفة الإسرائيلية، فمن المقرر أن يبحث المجلس الأعلى للتخطيط في "الإدارة المدنية" التابعة لوزارة جيش الاحتلال، في السادس من أغسطس/ آب المقبل، الاعتراضات المقدّمة ضد المشروع، في جلسة تُختتم بها المرحلة الرسمية للاعتراضات.
وقدمت منظمات مثل "سلام الآن"، و"عير عميم"، و"جمعية العدالة البيئية"، إلى جانب عدد من الفلسطينيين، اعتراضات رسمية على المخطط، محذرين من الأضرار التي ستطال ما تبقى من الأراضي الفلسطينية المتصلة بين رام الله والقدس وبيت لحم، وهي منطقة يقطنها نحو مليون فلسطيني.
تفاصيل وتبعات..
يتضمن المشروع بناء 3412 وحدة استيطانية جديدة ضمن برنامجين منفصلين، من شأنها خلق تواصل استيطاني متصل بين وسط الضفة الغربية والقدس، في خطوة يرى مراقبون أنها تُجهض أي فرصة مستقبلية لتسوية سياسية عادلة.
وكانت هذه المشاريع قد طرحت سابقًا بوتيرة بطيئة بسبب الضغوط الدولية، خاصة من الولايات المتحدة، خشية تقويض فرص إقامة دولة فلسطينية.
وتغطي منطقة E1 مساحة 12 كيلومترًا مربعًا، وتُعد جزءًا من النفوذ البلدي لمستوطنة "معاليه أدوميم". طرحت الخطط في عهد حكومة إسحق رابين، لكنها جُمّدت منذ عام 2005 لأسباب سياسية.
وفي آذار/مارس الماضي، صادق "الكابينت" الإسرائيلي على تعبيد طريق مخصص للفلسطينيين جنوب E1، بهدف تنفيذ المخططات الاستيطانية، وتمهيد الطريق نحو ضم "معاليه أدوميم" لاحقًا.
استغلال الحرب والفرص السياسية
في بيان لها، قالت منظمة "سلام الآن" إن حكومة نتنياهو-سموتريتش تستغل الحرب على غزة، والأزمة الداخلية في إسرائيل، والتردد الدولي، لفرض واقع ميداني يكرّس الاستيطان ويقوّض حل الدولتين.
وأضافت: "هذه الحكومة تدفع نحو استمرار الصراع وإراقة الدماء، وإن تنفيذ هذا المشروع سيكون كارثة تاريخية تصعّب أكثر من أي وقت مضى تحقيق مستقبل سلمي."
خبراء يحذرون..
الخبير في الشأن الاستيطاني جمال جمعة، يحذّر خلال حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، من أن تنفيذ المشروع سيؤثر بشكل مباشر على التجمعات البدوية الواقعة بين عناتا وشارع أبو جورج وحتى الخان الأحمر، وهي مناطق رعوية واسعة، خُطط لنهبها على مدى سنوات.
وأضاف أن الشارع الجديد المزمع تنفيذه جنوبًا، سيربط "معاليه أدوميم" بـ"الخان الأحمر" ومستوطَنات البحر الميت، مما يفتح المجال لتوسع استيطاني كبير في أراضٍ تعتبر فارغة حاليًا.
كما لفت جمعة إلى أن المنطقة المستهدفة تتمتع بموقع استراتيجي يتيح تطوير مشاريع صناعية قريبة من الأردن والعالم العربي، في سياق ما وصفه بـ"توسيع التطبيع الإقليمي".
أبعاد ديمغرافية وتاريخية..
وتطرق جمعة لدراسات هولندية أُجريت قبل اتفاق أوسلو، اقترحت نقل ربع مليون فلسطيني من غزة إلى الأغوار، لكنها لم تُنفذ.
كما يشير إلى أن المشروع يهدد المسار الديني المسيحي التاريخي الممتد من دير القرنطل حتى جبل التجربة، وهو مسار مرتبط بصوم الأربعين يومًا، ويُعتبر ذا أهمية دينية وسياحية.
وفي بعد اقتصادي وزراعي، أوضح أن 80% من الثروة الحيوانية الفلسطينية تقع في المنحدرات الشرقية نحو الأغوار والجنوب، مما يعني أن المشروع يهدد الأمن الغذائي والقطاع الزراعي برمته.
ويضيف: "التوسع باتجاه الشرق هو المتنفس الوحيد لقرى وريف القدس، وإذا ما أُغلق هذا الاتجاه، ستتحول هذه المناطق إلى كانتونات معزولة تُجرد من امتدادها الجغرافي."
ربط المشروع بمخططات أوسع
من جانبه، يرى الخبير الاستراتيجي فرحان علقم أن المشروع يرتبط بمخطط أوسع يهدف للسيطرة على الأغوار حتى بيسان والبحر الميت وصحراء الخليل، بما يحمل أبعادًا أمنية وديمغرافية عميقة.
ويشير إلى أن إعلان مصادرة 5000 دونم في قريتي سعير والشيوخ بمحافظة الخليل يندرج ضمن نفس السياسة، الهادفة لتمزيق التواصل الجغرافي الفلسطيني وتجهيز الأرض لعمليات تفريغ سكاني منظمة.
ويضيف أن هناك بعدًا خفيًا يتمثل في السيطرة على الحوض المائي الشرقي واحتياطي المياه، مما يعجّل من كارثة قادمة تهدد الوجود الفلسطيني.
القدس.. هدف جوهري
بدوره، يرى المحلل السياسي المقدسي راسم عبيدات أن المشروع يُغلق البوابة الشرقية للقدس، ويعزلها جغرافيًا وديمغرافيًا، في سياق تغيير هويتها وتهويدها.
ويؤكد عبيدات في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، أن مخطط القدس الكبرى يمتد ليشمل 73 كم مربع، أي ما يعادل 10% من مساحة الضفة الغربية، في محاولة لتقليص نسبة الفلسطينيين في المدينة من 38% إلى 12%، وتحويلها إلى "عاصمة يهودية خالصة" تُكرّس السيطرة الإسرائيلية على المدينة ومقدّساتها.
