شهدت الساحة السياسية الإسرائيلية تطورات متسارعة خلال الأشهر الماضية، مع تصاعد محاولات ضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية إلى "السيادة الإسرائيلية"، وهو ما بات يشكّل تهديدًا حقيقيًا للكيان الفلسطيني ومستقبل إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
جاء ذلك في ظلّ دفع "حكومي وبرلماني" إسرائيلي مكثّف نحو ترسيخ واقع الضم من خلال مشاريع قوانين متعددة، في محاولة لتكريس السيطرة الإسرائيلية على الأراضي المحتلة، وسط تصاعد الاستيطان وتقييد الحريات الفلسطينية.
وفي 16 يونيو/تموز الجاري، شهد الكنيست الإسرائيلي تقدمًا غير مسبوق عندما انتقل مشروع قانون ضم الضفة الغربية إلى مرحلة القراءة التمهيدية، بعد أن ظلت مشاريع قانونية أخرى عالقة لسنوات دون مناقشة فعلية.
وأمس الأربعاء، صوّت الكنيست بأغلبية 71 صوتًا، لصالح فرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وغور الأردن، في خطوة وصفت بأنها استمرار لمنهج اليمين الإسرائيلي الذي يهدف إلى إنهاء الأمل الفلسطيني في إقامة دولة مستقلة.
وفي هذا التقرير، نسلط الضوء على حيثيات هذه التطورات وتأثيرها المتوقع على المشهد الفلسطيني، مستعرضين آراء المختصين والمراقبين الذين يحذرون من عواقب هذا التصعيد الذي قد يقوض تمامًا مفاهيم القانون الدولي ويعيد تعريف العلاقة بين الاحتلال والوجود الفلسطيني، بما يهدد الحقوق السياسية والدينية للسكان الفلسطينيين.
خطورة القرار..
الباحث والمحلل السياسي سليمان بشارات، يشير إلى أن خطورة القرار تكمن في مجموعة من القضايا؛ أولها: إعادة تعريف العلاقة ما بين الاحتلال الإسرائيلي ككيان استعماري احتلالي وما بين الوجود الفلسطيني، بمعنى أنه يزيح مفهوم الاحتلال، وهذا يترتب عليه التحلل من الالتزام الذي كان يفرضه القانون الدولي تجاه الفلسطينيين.
ويضيف بشارات في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، خطورة القرار تتمثل أيضًا بمحو أي أمل مستقبلي لمسمى كيان فلسطيني كعنوان سياسي؛ بمعنى عدم منح الفلسطينيين أي هوية سياسية تؤسس لمفهوم الدولة".
ويوضح: "هذا يعني أن أي وجود فلسطيني مستقبلي سيكون تجمعات سكانية في إطار ما قد يطلق عليه بالدولة اليهودية، وهو ما يجعل من هذا الوجود الفلسطيني يقع تحت حالة الاضطهاد والتنفيذ المباشر للقوانين القمعية الإسرائيلية".
أما الخطورة الثالثة للقرار، فيرى ضيفنا أن الاحتلال الإسرائيلي بهذا القرار إن تم تطبيقه وحصل على الشرعية الدولية ممثلة بالولايات المتحدة الأمريكية، سيسهل ويسرع من الإجراءات التهويدية والممارسات العدائية التي يقوم بها الاحتلال بحق الفلسطينيين بالضفة.
بدأ بالفعل..
ويلفت بشارات إلى أن مقدمات هذا القرار قد بدأت بالفعل، وذلك بفرض السيطرة الدينية على المسجد الإبراهيمي بالخليل، والدعوات لوجود عسكري إسرائيلي في محيط قبر يوسف في نابلس، مضيفًا أنه "ربما يتوج ذلك بالسيطرة الدينية على المسجد الأقصى، وبالتالي تصبح المرجعية الدينية لكل المواقع المقدسة للدولة اليهودية وسلب الفلسطينيين الحق في العبادة وحماية المقدسات".
ويسعى اليمين الإسرائيلي إلى تكريس أمر واقع بالضفة الغربية عبر خطوات "تشريعية"، بعد أن كثّفت حكومة الاحتلال الحالية مشاريع الاستيطان والإجراءات الرامية إلى ضمّ أجزاء واسعة من الضفة بحكم الأمر الواقع.
ومنذ مطلع العام 2025 الجاري، تم طرح 9 مشاريع لقوانين مقترحة حول ضم الضفة الغربية وتطبيق السيادة الإسرائيلية عليها. بالإضافة لـ 2 خلال العام 2024 الماضي، و9 في عام 2023، بالإضافة لـ 4 مشاريع عام 2022.
أهداف صريحة..
من ناحيته، يرى المحلل والخبير بالشأن الإسرائيلي نهاد أبو غوش، أنه بالرغم من التصريحات الإسرائيلية وصيغة القرار التي توحي بأنه قرار رمزي، إلا أن "القرار خطير جدا وينسجم تماما مع المنحى التصعيدي الذي تتخذه حكومة اليمين المتطرف في إسرائيل بحربها الشاملة على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة".
ويشير أبو غوش في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء"، إلى أن "إسرائيل" تعلن أهدافها الصريحة بتصفية القضية الفلسطينية، وتهجير الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه، وضم أوسع مساحات ممكنة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، واخنزال الحقوق الوطنية والسياسية للشعب الفلسطيني ببعض الحقوق المعيشية والاقتصادية دون السياسية.
ويرى "ضيف سند" أن القرار "ينسجم تماما مع جملة من القرارات والتدابير التي اتخذت سابقا وأهمها قانون القومية الذي يحصر حق تقرير المصير في فلسطين التي يسمونها أرض إسرائيل باليهود فقط، ويعتبر الاستيطان قيمة قومية عليا".
كما ينسجم القرار الإسرائيلي، مع قرار الكنيست بمنع قيام دولة فلسطينية غربي نهر الأردن، ومع سلسلة الاعتداءات والهجمات التي تنفذها ميليشيات المستوطنين بحماية الجيش ومشاركته وبغطاء ودعم كاملين من الحكومة، تبعًا لضيفنا.
مرجعية لاعتداءات المستوطنين..
ويتابع "أبو غوش": "هذا القرار سوف يشكّل مرجعية سياسية وفكرية لمزيد من اعتداءات المستوطنين وإجراءات دولة الاحتلال الرامية لحسم الصراع واستلاب صلاحيات السلطة الفلسطينية حتى في المناطق المصنفة (ب) و(ج).
وعمليا، يشرعن القرار عمليات الضم الزاحف الجارية على الأرض، بحسب "أبو غوش"، مضيفًا: "المعروف أن القانون الإسرائيلي يطبق على المستوطنين، والمستوطنات تعامل كمدن وبلدات إسرائيلية من حيث شمولها بالميزانيات وارتباطها بشبكات الخدمات والاقتصاد والتعليم عدا عن إجراء الانتخابات العامة وانتخابات السلطات المحلية تماما كما يجري في المناطق المحتلة عام 1948".
إعلان استعراضي لقياس ردود الفعل..
وفي حديثه عن إعلان القرار بهذه الصورة "الاستعراضية والرمزية"، فيرى الخبير بالشأن الإسرائيلي، أنه يأتي لقياس ردود الفعل الفلسطينية والدولية من جهة من حيث هل ستكون بالبيانات والشجب فقط أم ستكون ثمة إجراءات عملية.
ويكمل: "بعض تبعات القرار لم تنضج بعد، مثل: ماذا سيكون مصير السكان وهل سيمنحون الجنسية أو حق الإقامة أو سيطردون من مناطقهم؟ وكيف سيتم التعامل مع التداعيات السياسية والقانونية للقرار، خاصة أن القرار يعني تقويض السلطة الفلسطينية التي يوجد لها مكانة قانونية دولية"ـ
تبعًا لذلك، يشير أبو غوش أن علينا توقّع المزيد من الإجراءات والخطوات التي تنسجم مع هذا القرار العدواني، حيث أن عملية الضم ستكون تتويجا سلسلة طويلة من الخطوات والاجراءات الجارية على الأرض منذ سنوات طويلة، وفق قوله.
