بعد شهور من الحصار المطبق الذي تفرضه سلطات الاحتلال على غزة، وتوقف شبه تام لدخول الغذاء والدواء والوقود إلى القطاع المنكوب، أعلنت "إسرائيل" عبر أذرعها العسكرية والإعلامية، أنها سمحت بدءًا من يوم أمس الأحد بإدخال مساعدات إنسانية إلى غزة عبر عمليات إسقاط جوي وممرات "إنسانية" مؤقتة.
يجمع مراقبون أنّ هذه الخطوة الإسرائيلية استعراضية وجاءت لاحتواء الغضب الدولي المتصاعد إزاء ما يعانيه القطاع من مجاعة شرسة تتوسع وتتفاقم بشكل غير مسبوق وتطال 2.4 مليون إنسان، بينهم 1.1 مليون طفل، وقد توفي حتى الآن 147 شهيداً بسبب الجوع، بينهم 88 طفلاً.
لكن ما الذي جرى على الأرض؟ يسأل الفلسطينيون المتعبون في غزة، الذين تلقوا أخبار إدخال المساعدات بلهفة، وانتظروا ترجمتها فعليًا لكسر مرارة الواقع الذي يعيشون فيه منذ 22 شهرًا، وزادت حدّته في الأسابيع الأخيرة.
لا تصدّقوا الرواية الكاذبة..
— Salah Safi 🇵🇸 صلاح صافي (@iSalahSafi) July 27, 2025
الحرب لم تنتهِ بعد، والإسقاطات الجوية لم تكن سوى رماد دعائي، لا تكفي حتى لعائلة واحدة!
المعابر ما زالت مغلقة، والمساعدات التي دخلت لا تسدّ جوع 1٪ من السكان،
الموت مستمر، والصمت مُطبق، والكارثة تتضخم مع كل يوم، وكل ساعة.
ما دخل فعليا 73 شاحنة في شمال وجنوب قطاع غزة، وقد تعرّض معظمها للنهب والسّرقة تحت أنظار الاحتلال وطائراته المُسيّر؛ إلى جانب 3 عمليات إنزال لا ترقى لحمولة شاحنتين بحسب مدير عام المكتب الإعلامي الحكومي إسماعيل الثوابتة.
ولا تزال ترفض حكومة الاحتلال بشكل قطعي إدخال غاز الطهي لغزة، في حين سمحت بإدخال كميات قليلة فقط من الوقود "السولار" عن طريق الأمم المتحدة؛ وهي لا تكفي لتغطية جزء ضئيل من احتياجات القطاع الصحي، وفق ما كشفت عنه مصادر أممية لـ "وكالة سند للأنباء".
هذا ما تفعله مصائد الموت المسماة بـ"المساعدات الأمريكية". بسكان أهل غزة
— أنس الشريف Anas Al-Sharif (@AnasAlSharif0) July 14, 2025
الصورة أمامكم pic.twitter.com/F7LVA2d0qx
وأكد الثوابتة، أن احتياج غزة اليومي في الظروف الطبيعية تقترب من 1000 شاحنة مساعدات يوميا؛ وذلك لضمان الحد الأدنى من تحقيق الأمن الغذائي في القطاع.
وأضاف لـ "وكالة سند للأنباء"، أنّ الاحتلال لم يُدخل فعليا أي مساعدات على صعيد احتياج غزة الإنساني من غذاء ودواء وحتى ما يتعلق بظروف ترميم البنية التحتية والآبار التي تسبب توقفها لوجود أزمة عطش غير مسبوقة في القطاع؛ في ظل عدم القدرة على توصيل المياه؛ وانقطاع خط مياه "ماكروت".
ووصف ما يجري بأنه "مسرحية هزلية" يشارك فيها المجتمع الدولي ضد المُجوّعين في قطاع غزة، عبر وعود زائفة أو معلومات مضللة تصدر عن دول كبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية ورئيسها.

ومن إجمالي الشاحنات التي دخلت القطاع خلال اليومين الماضيين، كان هناك 6 شاحنات حليب و"بامبرز" لأطفال؛ وهذه الكمية التي لا تكفي على لتغطية 3% من احتياجات الأطفال في غزة.
وما إنّ دخلت حتى تعرضت هذه الشاحنات على أعين الاحتلال، للسرقة من قبل عصابات اللصوص.
وحذر المدير الطبي لمستشفى "أصدقاء المريض" بمدينة غزة سعيد صلاح من تصاعد وتيرة الوفيات نتيجة الجوع وسوء التغذية خاصة في صفوف الأطفال.
وأكد "صلاح" في حديثٍ خاص بـ "وكالة سند للأنباء" وأن احتياج الأطفال للحليب أفقد حيوات العديد منهم خاصة "أطفال الخدج "الذين ولدوا في ظل سوء تغذية لأمهاتهم وعدم قدرتهم على إرضاعهم.
وشدد أنّ جميع أطفال قطاع غزة دون استثناء دخلوا في المرحلة الخامسة من سوء التغذية التي تعد الأخطر؛ وتترك آثارا صحية يصعب تداركها بعد الشفاء.
في غضون ذلك، قالت منظمة الصحة العالمية إن سوء التغذية يسلك منحى خطيرا في غزة، ويظهر ذلك في الارتفاع الحاد في عدد وفيات الشهر الجاري.
وأشارت المنظمة إلى أن ما يقارب واحدا من كل 5 أطفال دون سن الخامسة في مدينة غزة، يعاني سوء تغذية حادا، مضيفةً أن ارتفاع حالات سوء التغذية يثقل كاهل المراكز الطبية ويدفع النظام الصحي نحو الانهيار.
مراوغة وتضليل..
وتؤكد شبكة المنظمات الأهلية في غزة، أنّ "المجاعة تتفاقم في القطاع وسط ظروف صحية خطيرة، ولا يمكن تلبية الاحتياجات الإنسانية إلا برفع الحصار وفتح المعابر"، مشددةً أنّ ادعاء الاحتلال بإدخال مساعدات هو تضليل إعلامي وما وصل إلى القطاع شحيح جدا.
ووصف الخبير في شؤون المجتمع المدني؛ محسن أبو رمضان، السياسية الإسرائيلية في عبور المساعدات بالمراوغة؛ والقائمة على سياسة الاحتيال والتضليل.
وذكر أبو رمضان لـ "وكالة سند للأنباء" أن دولة الاحتلال ترفض لهذه اللحظة السماح بإدخال المساعدات للقطاع الأممي الإنساني العامل في قطاع غزة؛ وأن المساعدات التي دخلت لا تتجاوز 10% من احتياجات القطاع.
وأكد أن "إسرائيل" تناور إعلاميا بهدف امتصاص الغضب العالمي المتنامي تجاه عملية إبادة وتجويع غزة؛ خاصة في ظل تهديد دول غربية الاعتراف بالدولة الفلسطينية.
وأوضح، أن هذه المحاولات قديمة جديدة في سياسة التجويع الإسرائيلية المتواصلة ضمن حرب الإبادة الجماعية؛ والتي تهدف لإبقاء غزة منطقة منكوبة طاردة للسكان؛ في سياق تنفيذ مخططهم الرامي لتهجيرهم من أرضهم.
مطلوب تكثيف الضغط قولا وعملا لفضح سياسة التجويع
— Fayed Abushammalah. فايد أبو شمالة (@fayedfa) July 27, 2025
انكشفت الخديعة، عمليات انزال شكلية وكميات محدودة من المساعدات لا تسمن ولا تغني من جوع، ما يجري هو هندسة التجويع ومحاولة التخلص من الضغط الدولي. https://t.co/hKaQvGznQT
مرحلة ما بعد الكارثة..
من ناحيته رأى المستشار الإعلامي لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين "أونروا" عدنان أبو حسنة، أنّ الكارثة التي تعيشها غزة لا تكفي معها عدد محدود من شاحنات المساعدات، بل يتوجب فتح كامل للمنافذ وفتح ممرات إنسانية، تضمن تدفق المساعدات بشكلٍ كافٍ للمواطنين وإنهاء المأساة الكبيرة.
وقال أبو حسنة لـ "وكالة سند للأنباء" إنّ ما تعيشه غزة يتخطى مرحلة ما بعد الكارثة؛ ولا تزال الوفيات مستمرة في غزة نتيجة الجوع؛ "وهذا مؤشر واضح على عملية التجويع المتواصلة بحق القطاع.
ونبّه إلى أنّ وكالة الغوث وضعت خطة كاملة للتعامل مع المرحلة الإغاثية العاجلة؛ فور السماح لها بالعمل؛ والبدء بإدخال المساعدات للقطاع.
رفض التأمين وتلاعب..
وحسبما أكدت مصادر لـ "وكالة سند للأنباء"، فإنّ الاحتلال رفض تقديم ضمانات بعدم استهداف عمليات التأمين للمساعدات التي أعلن عن إدخالها لغزة أو الأشخاص القائمين على هذه العملية.
ترافق ذلك، مع إعلان إسرائيلي لتهدئة ميدانية لساعات عدة، لكنّ الاحتلال في حقيقة الأمر دفع أمس الأحد بإدخال المساعدات إلى القطاع بعد انتهاء هذه فترة الهدنة المؤقتة أي بعد الساعة الثامنة مساءً؛ ليمنع أي محاولات لتأمينها.
وعن ذلك، قال رئيس هيئة "حشد" للدفاع عن الشعب الفلسطيني؛ صلاح عبد العاطي، إن الاحتلال يتلاعب بـ "الهدنة الإنسانية" المزعومة التي أعلن عنها؛ ويتلاعب أيضًا بإدخال المساعدات.
وعبّر عبد العاطي في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" ؛ عن خشيته من أن يكتفي الاحتلال بالإعلان عن هدنة وتدفق مساعدات إعلاميًا دون نتائج فعلية على الأرض، في ظل استمرار الحصار الخانق وإغلاق المعابر لأكثر من 147 يومًا متواصلةز
وشدد أن أي هدنة أو آليات يتم الإعلان عنها دون تنفيذ حقيقي وفعّال على الأرض، ستكون مجرد إجراءات وهمية ومضللة، في وقت يتعرض فيه الشعب الفلسطيني في غزة لجريمة إبادة جماعية مستمرة للشهر 22 على التوالي.
