أكدت صحيفة الغارديان البريطانية تعمد دولة الاحتلال الإسرائيلي ارتكاب إبادة جماعية بطيئة في قطاع غزة، عنوانها الأبرز: تجويع المدنيين عمدًا كوسيلة للحرب.
وقالت الصحيفة أن تعمد الاحتلال خلق المجاعة في غزة ليست مزاعم إعلامية أو شعارات سياسية، بل تصريحات علنية، وإجراءات ممنهجة، وسجل من الجرائم المفتوحة تحت أنظار العالم... بل وبمباركته.
تصريحات موثقة... وتجويع علني
منذ الأيام الأولى بعد 7 أكتوبر 2023، لم تُخفِ دولة الاحتلال نواياها. وزير الجيش آنذاك، يوآف غالانت، قالها صراحة: "لا طعام، لا ماء، لا كهرباء، لا وقود... نحن نحارب حيوانات بشرية".
وعلى النهج نفسه، أعلن الجنرال الإسرائيلي غسان عليان أن غزة ستحترق في "جحيم" كامل. أما رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، فقد صرّح بشكل صادم: "لن نسمح بدخول أي مساعدات، حتى الغذاء والدواء".
هذه التصريحات التي كان ينبغي أن تملأ عناوين الصحف الغربية وتُفضي إلى فرض عقوبات فورية ومحاكمة دولية، غابت عن التغطيات أو نُقلت بخجل ومراوغة.
الغرب لم يغض الطرف فحسب، بل منح دولة الاحتلال الضوء الأخضر للاستمرار، عبر التسليح والتبرير والدعم الدبلوماسي.
حلفاء الغرب: شركاء لا متفرجون
في مارس 2024، كشفت وثيقة رسمية من الخارجية البريطانية عن أساليب دولة الاحتلال المتعمدة لعرقلة دخول المساعدات، دون أن يصدر عن لندن أي رد فعل فعلي.
أما واشنطن، فقد كانت شريكة أكثر فاعلية: رغم توصيات واضحة من وزارتين أمريكيتين بضرورة وقف تصدير الأسلحة بسبب استخدام التجويع كسلاح، تجاهلت إدارة بايدن ذلك، وواصلت الدعم العسكري بلا هوادة.
وحتى عندما أقرت الإدارة الأمريكية بوجود عراقيل إسرائيلية ممنهجة، لم تتخذ سوى إجراءات رمزية جوفاء. دولة الاحتلال، كما تؤكد الوقائع، اختبرت حدود التواطؤ الدولي، ووجدت أنها بلا سقف.
مجازر المساعدات: قتل من ينتظر الطحين
ليست المشكلة فقط في منع إدخال الغذاء، بل في تحويل نقاط توزيع المساعدات إلى مصائد موت. في فبراير، ذُبح أكثر من 100 مدني أثناء انتظارهم كيس دقيق. وفي الأشهر التالية، بات الطريق إلى شاحنة مساعدات يعني مقامرة بالحياة.
منظمة الغذاء العالمي وصفت هذه المشاهد بأنها "حقول قتل" تحت إشراف مباشر من الجيش الإسرائيلي.
الأونروا، أبرز وكالة أممية لغوث اللاجئين، مُنعت من العمل منذ أكتوبر الماضي. عمال الإغاثة قُتلوا بالعشرات، بل إن عام 2025 سجّل أكبر حصيلة لضحايا القطاع الإنساني في تاريخ الصراعات، مع أكثر من 400 ضحية من العاملين في المجال الإغاثي.
مجاعة منسّقة: التدمير الاقتصادي الزراعي والغذائي
لم تكتف دولة الاحتلال بالحصار. على الأرض، شنت حربًا على البنية التحتية الغذائية في غزة: دمرت 80% من الأراضي الزراعية، أبادت المواشي، دمّرت مرافئ الصيد، وأحرقت مزارع بأكملها.
بل إن الفلسطينيين الذين حاولوا الصيد لتأمين لقمة العيش تعرضوا للقنص أو الاعتقال أو القتل المباشر.
إنها حرب تجويع شاملة، بلا أقنعة. لم تُترك غزة دون طعام فقط، بل دون أدوات لإنتاج الطعام، ولا وسائل لطهيه أو تخزينه. وحتى المياه، سُمّمت عبر تدمير شبكات الإمداد.
إسقاطات جوية مخزية... ومسؤولية أخلاقية مفرغة
مع تفاقم الكارثة، لجأ الغرب إلى سياسة ذر الرماد في العيون: إسقاط المساعدات من الجو. هذه الإمدادات لم تسد رمقًا، بل قتلت مدنيين حين سقطت عليهم، وأعطت انطباعًا بأن شيئًا يُفعل، بينما تُترك دولة الاحتلال تواصل جرائمها دون حساب.
حين تكون المجاعة مصنّعة بهذه الطريقة، فإن أدوات الحل ليست إسقاط كرتون غذاء من طائرة، بل فرض عقوبات، وقف الدعم، وتقديم الجناة إلى العدالة الدولية. كل ما دون ذلك هو تواطؤ.
في المقابل لا تكتفي دولة الاحتلال بالجريمة، بل تسعى لتبريرها بأكاذيب مفضوحة: "المساعدات تُسرق من قبل حماس وفصائل المقاومة". هذه الرواية كررها دونالد ترامب مؤخرًا، وتناقلتها وسائل إعلام غربية كأنها حقيقة.
لكن مدير برنامج الغذاء العالمي، سيندي ماكين، نفت ذلك تمامًا، وأكدت أن التحقيقات الأمريكية والإسرائيلية نفسها لم تجد أي دليل على سرقة ممنهجة من فصائل فلسطينية.
في المقابل، تؤكد تقارير موثقة أن عصابات محلية مدعومة من الاحتلال – بعضها على صلة بتنظيم داعش – هي من تتولى نهب المساعدات وترويع المدنيين.
المحكمة الجنائية: الجريمة واضحة... أين الحساب؟
في مايو الماضي، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرات توقيف تتضمن تُهماً باستخدام التجويع كسلاح. لكنها، حتى اللحظة، تظل حبرًا على ورق، لأن قادة إسرائيل يتنقلون بحرية، محاطين بمصافحات القادة الأوروبيين والأمريكيين.
ورغم أن المجاعة في غزة موثقة، مستمرة، ومتصاعدة، فإنها غائبة عن أولويات العالم السياسي. الشاحنات القليلة التي يُسمح لها بالدخول تُنهب في الطريق، أو تصل متأخرة جدًا لدرجة أن المحتاجين لا يستطيعون هضمها.
هل سيحاسب أحد؟ الجواب واضح ومؤلم: لا. لن يُحاسب أي رئيس وزراء، أو قائد عسكري، أو داعم غربي لهذه الإبادة. سيُترك ذلك للتاريخ. لكن الجريمة موثقة، وشركاؤها معروفون: (إسرائيل)... وحلفاؤها من واشنطن إلى لندن إلى بروكسل.
وختمت الغارديان بأنه بينما يموت الأطفال في غزة من الجوع، يواصل الغرب التشدق بـ"القلق العميق" و"حق الدفاع عن النفس" و"حل الدولتين". إنها مجزرة العصر، تُمثّل سقوطًا أخلاقيًا مدويًا لمنظومة دولية أعادت تعريف الجريمة الجماعية: أن تحدث على مرأى من الجميع... ولا أحد يُوقفها.
