في وقت تتزايد فيه الوفيات الناتجة عن الجوع في قطاع غزة، قال عمال الإغاثة إن الإجراءات الجديدة التي أعلنتها دولة الاحتلال الإسرائيلي هذا الأسبوع "لا ترقى إلى الحد الأدنى المطلوب"، واصفين إياها بأنها "مسرحية إعلامية" تهدف إلى تهدئة الانتقادات الدولية المتصاعدة، دون معالجة حقيقية لأزمة المجاعة.
وذكرت صحيفة الغارديان البريطانية أنه رغم إدخال بعض المساعدات وفتح ممرات إنسانية وإسقاط مساعدات جواً، استشهد أكثر من 48 فلسطينيًا يوم الأربعاء أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء، مما يثير تساؤلات حول جدوى الخطوات الأخيرة التي اتخذتها سلطات الاحتلال وسط تفاقم الكارثة الإنسانية.
مساعدات محدودة... وأرقام مفزعة
أعلنت سلطات الاحتلال يوم الأحد عن تنفيذ مجموعة إجراءات تهدف – بحسب زعمها – إلى تحسين الوضع الإنساني، وتتضمن "وقفات إنسانية يومية" وإسقاط مساعدات عبر الجو، وفتح ممرات مؤقتة لشاحنات تابعة للأمم المتحدة.
غير أن عمال الإغاثة يقولون إن هذه التحركات لم تُحدث فرقاً ملموساً.
ووفقاً لبيانات المنظمات الإنسانية، توفي 151 شخصًا حتى الآن بسبب الجوع في القطاع، بينهم أكثر من 80 خلال يوليو فقط، فيما لا تزال معظم المعابر مغلقة، والمساعدات تصل بشكل بطيء ومتقطع.
وبينما دخل أكثر من 200 شاحنة يوم الثلاثاء، فإن المعدل اليومي لا يتجاوز 70 شاحنة، وهو أقل بكثير من الحد الأدنى المطلوب (500–600 شاحنة) لتلبية احتياجات السكان.
وقالت بشرى الخالدي، مسؤولة السياسات في منظمة أوكسفام: "ما يجري هو مجرد رمزية سياسية. لا يمكن حل المجاعة بعشر شاحنات، أو حتى بثلاثمائة. نحن بحاجة إلى تغييرات جذرية لا مجرد تحسينات شكلية."
واقع لا يتغير
الدكتور نور الدين العمصي، من منظمة "مشروع الأمل" الطبية غير الحكومية، قال إن الوضع الإنساني على الأرض لم يتحسن منذ الإعلان عن الإجراءات الجديدة، مؤكدًا أن "الإمدادات لا تصل فعليًا إلى المحتاجين".
وأضاف أن عيادته تستقبل يوميًا أطفالاً يعانون من سوء تغذية حاد، ومعظمهم لا يحصل على العلاج الضروري بسبب نفاد "البسكويت العلاجي عالي الطاقة".
وإلى جانب نقص الإمدادات، تواجه منظمات الإغاثة الدولية عراقيل جديدة فرضتها السلطات الإسرائيلية، أبرزها اشتراط التسجيل في وزارة شؤون الشتات ومكافحة معاداة السامية الإسرائيلية، التي أنشئت حديثًا.
وتشمل الإجراءات إلزام المنظمات غير التابعة للأمم المتحدة بتقديم بيانات عن الموظفين الفلسطينيين، وهو ما ترفضه العديد منها خوفًا على سلامة العاملين في غزة والضفة الغربية.
وقالت مصادر مطلعة إن المنظمات التي لم تُكمل عملية التسجيل تتعرض شحناتها للتأخير أو الرفض من قبل الجمارك الإسرائيلية، دون توضيح للأسباب.
وذكر عامل في إدارة سلسلة التوريد الإنساني، طلب عدم كشف هويته، أن "ما يعيق تدفق المساعدات ليس نقص التمويل أو الدعم الدولي، بل سلسلة معقدة من الإجراءات الإدارية التي تشكل جدارًا غير مرئي لكنه خانق".
وأضاف أن السلطات الإسرائيلية رفضت مؤخرًا دخول شحنات تحتوي على تمر وزيتون بذري، دون مبرر واضح، مشيرًا إلى أن السبب قد يعود لاعتبارها مواد "قابلة للزراعة". لاحقًا، تم السماح بشحنات معدّلة من معجون التمر والزيتون منزوع النوى.
الأمم المتحدة: إجراءات غير كافية
من جهته، قال سام روز، القائم بأعمال مدير شؤون الأونروا في غزة: "إن ما يحدث هو نوع من المقايضة؛ يُعلن عن إجراءات جديدة، لكن في المقابل تُفرض قيود أخرى أكثر تشددًا. الأمر دائمًا يتعلق بالعطاء بيد والأخذ بالأخرى."
وشدد روز على أن الوضع الحالي يتطلب "تحركًا سياسيًا حقيقيًا لوقف إطلاق النار، ورفع الحصار الكامل، وتوفير ممر إنساني آمن ومنتظم".
وتواصل الأمم المتحدة الدعوة إلى وقف إطلاق نار شامل يتيح استجابة إنسانية واسعة النطاق. كما دعت تل أبيب إلى رفع الحظر عن المساعدات الإنسانية فورًا، في وقت تصف فيه وكالات الإغاثة الموقف بأنه "أسوأ أزمة غذائية في العالم في الوقت الحالي".
ويحذر الخبراء من أن الأطفال وكبار السن هم الفئات الأكثر عرضة لخطر الموت، مع ازدياد حالات الوفاة نتيجة الإسهال وسوء التغذية الحاد، ونقص الماء الصالح للشرب.
تعقيد المشهد... وتراكم الغضب
في ظل استمرار العمليات العسكرية وعرقلة المساعدات، تتهم منظمات حقوقية دولة الاحتلال باستخدام "البيروقراطية كسلاح حرب"، عبر التحكم في تدفق الغذاء والدواء، وفرض قيود أمنية على طواقم الإغاثة.
وتقول أوكسفام ومنظمات أخرى إن الحصار الإسرائيلي لم يتغير فعليًا رغم التصريحات الرسمية، وإن "أسباب الموت في غزة لم تعد فقط القصف، بل أيضًا الجوع والإهمال والإذلال الجماعي".
وبينما تروج دولة الاحتلال لإجراءات جديدة وتُعلن عن ارتفاع في عدد شاحنات المساعدات، يرى العاملون في الخطوط الأمامية أن هذه التحركات لا تُحدث أي تأثير فعلي في ظل الفوضى والمجاعة وانهيار البنية التحتية.
وفي وقت تتسارع فيه الوفيات، وتُغلق الأبواب أمام المنظمات الإنسانية، يبقى الأمل الوحيد في ضغط دولي فعّال لكسر الحصار والسماح بعبور الإغاثة دون شروط معقدة، قبل أن تتحوّل المجاعة في غزة إلى كارثة غير قابلة للعكس.
