قلق متصاعد في الضفة الغربية وخشية من كارثة مائية قادمة، تعززها سياسات الاحتلال الممنهجة في سرقة مصادر المياه الفلسطينية، بالتوازي مع اعتداءات المستوطنين، ومحاولاتهم السيطرة على ينابيع رئيسية بالضفة.
آخر الاعتداءات طالت نبع عين سامية الواقع على السهول الشرقية لقرية كفر مالك شمال شرق رام الله، حيث تتعرض المنطقة لاعتداءات متكررة من قبل المستوطنين، تستهدف بشكل مباشر الآبار والمنشآت المائية الحيوية، في سياق منهجي يهدد الأمن المائي لعشرات التجمعات السكانية في محافظة رام الله والبيرة.
وتُعد منطقة عين سامية من أهم مصادر المياه الجوفية في شمال شرق محافظة رام الله والبيرة، حيث تحتوي على مجموعة من الآبار والمحطات التي تزوّد مناطق واسعة من المحافظة بالمياه الصالحة للشرب.
وتواجه هذه المنطقة تحديات متزايدة في ظل الظروف الأمنية الراهنة وتوسع الاستيطان.
وبين مدير العلاقات العامة في مصلحة مياه محافظة القدس فارس المالكي، أن النبع يحتوي على 5 آبار، تنتج ما مجموعه 12 مترًا مكعبًا من المياه يوميا، وتغذي 19 تجمعًا سكانيًا بشكل مباشر، بما يقرب من 65 ألف نسمة.
وأوضح المالكي لـ "وكالة سند للأنباء" أنه تم توثيق أعمال تخريبية شملت تحطيم خطوط المياه، وكسر خط التغذية الرئيسي المرتبط بالبئر رقم (6) وبئر رقم (4) في وقت سابق، إلى جانب إزالة اليافطات الرسمية التابعة للمصلحة، ومحاولات للسيطرة الفعلية على الأراضي المحيطة بالآبار.
واعتبر المالكي أن مثل هذه الاعتداءات تشكل خطرًا بالغًا على استمرارية خدمة المياه.
وأضاف أن استمرار هذه الاعتداءات ينذر بحدوث أزمة مائية حقيقية في حال تعطلت الآبار أو تضررت البنية التحتية بشكل دائم.
ويؤكد أن فقدان عين سامية يمثل تهديدًا مباشرًا للحق في المياه الذي تضمنه المواثيق الدولية، ويُفاقم من هشاشة الوضع الإنساني والبيئي في المنطقة.
متفقًا مع المالكي، عبر المهندس والكاتب وليد الهودلي عن خشيته من أن اعتداءات المستوطنين ستؤدي بالنهاية إلى كارثة مائية، وينعكس ذلك مباشرة على تعطيش قرى شرق محافظة رام الله والبيرة، وتنذر بالخطر الداهم لما هو قادم بالأيام القريبة.
ولفت الهودلي، وهو صاحب خبرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في العمل بمصلحة مياه محافظة القدس، أن ما جرى في منطقة النبع يؤكد أن موضوع تعطيش الفلسطينيين على رأس أجندات الاحتلال.
وأكد لـ "وكالة سند للأنباء" أن الاعتداء على آبار عين سامية يشكّل نموذجا لما هو أوسع وأشمل، وينذر بعواقب جسيمة إن لم تقابل هذه الخطوة بحراك يناسب حجم هذا الخطر.
ويتوسع الهودلي في حديثه عن أزمة المياه في الضفة الغربية، ليبين حجم ما يسرقه الاحتلال والمستوطنون، حيث إن قرابة 70% من مياه "تل أبيب" تتم سرقتها من ينابيع الضفة، عدا عن أن حصة المستوطن من المياه تمثل عشرين ضعف الفلسطيني.
ويعتقد الهودلي أن الإشكالية نمت منذ اتفاق أوسلو، حيث تم ترحيل قضية المياه إلى قضايا الحل النهائي، فيما بقيت حصة الفلسطينيين ثابتة دون أية مراعاة للتزايد السكاني والتغيير الديمغرافي الفلسطيني.
وأشار أن العقدة تتضح في تقييد مشاريع المياه، التي باتت ملزمة بموافقة ثلاث جهات يستحيل أن تتفق على شيء، وهي الإدارة المدنية وشركة ميكروت (تابعتان للاحتلال)، واللجنة الفلسطينية المشتركة، التي لم تجتمع سوى مرة واحدة، ولم تتخذ أي قرار لتطوير أي مشروع للمياه.
وفي النقطة الأخيرة التي تحدث فيها الهودلي، والمتعلقة بقضية المياه في اتفاق أوسلو، يضيف رئيس سلطة المياه الأسبق شداد العتيلي، أن الاحتلال استخدم المياه كسلاح للتضييق على الفلسطينيين عبر تقليص كميات المياه المخصصة لهم، لدفعهم للهجرة.
وبين العتيلي في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن ما جرى في اتفاقية أوسلو هو تأجيل لقضايا الصراع بين الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، وتحديدا القضايا الجوهرية للصراع أي: اللاجئون والحدود والمستوطنات والقدس والمياه.
وقال إن المياه تعد إحدى القضايا الرئيسية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهي مسألة أمن قومي لدى الشعب الإسرائيلي وقيادته.
وبين أنه إلى حين الوصول لحلول دائمة في قضية المياه، لا بد من تحركات داخلية تتعلق بوقف التعديات على خطوط المياه، والتوعية في موضوع ترشيد الاستخدام، حتى نضمن توزيعا عادلا يضمن للكل أو نسبة كبيرة من السكان الحصول على مياه نظيفة وبكميات كافية.
وأفاد تقرير صادر عن منظمة "بيتسيلم" الإسرائيلية في عام 2023، بأن النظام القانوني الإسرائيلي أدى إلى إحداث فجوة كبيرة في الوصول إلى المياه داخل الضفة الغربية، بين الفلسطينيين والمستوطنين.
وبين التقرير أنه في حين يحصل جميع الإسرائيليين والمستوطنين في الضفة على المياه الجارية بشكل يومي، فإن 36 في المئة فقط من الفلسطينيين في الضفة الغربية يحصلون على المياه الجارية يومياً.
ووفق تقرير صادر عن المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، فإن "إسرائيل" باتت تسيطر على أكثر من 84 بالمئة من المياه الفلسطينية في الضفة، وتصعد إجراءاتها للسطو على مصادر المياه، ما أدى إلى أزمة حادة في المدن والقرى.
وأضاف التقرير أن "إسرائيل" هدمت ما لا يقل عن 500 بئر لتجميع المياه في الضفة الغربية.
وذكر أن تل أبيب "استغلت نحو 52 بالمئة من المياه الفلسطينية في الضفة لصالح الإسرائيليين، فيما حولت نحو 32 بالمئة للمستوطنات".
