في قطاعٍ تحاصره الحرب من كل جانب، تُختزل حياة الشاب العشريني محمود الأسطل في أنبوب تنفّس وبطارية لا تكفي لساعات، يقف على حافة الموت، بعدما أجبره النزوح على ترك أجهزة التنفس الخاصة به، ليجد نفسه في خيمة من دخان، وسماء بلا كهرباء، وواقع يخنقه أكثر من مرضه.
زينب الأسطل، شقيقة محمود البالغ من العمر (23 عامًا)، تروي بحزنٍ عميق لـ "وكالة سند للأنباء" تفاصيل معاناته، مشيرة إلى أنه مصاب بمرض ضمور العضلات Duchenne muscular dystrophy، وهو مرض تدريجي يُضعف عضلات الجسد ويقيد المصاب بكرسي متحرّك، وجهاز تنفّس، يحمله بين الحياة والموت.
نزحت عائلة محمود من خانيونس جنوب قطاع غزة دون أن تحمل معه جهاز التنفس أو فرشته الهوائية، تاركين خلفهم كل ما يبقيه على قيد الحياة، عاشوا لثلاثة أشهر داخل مستشفى ناصر كلاجئين لا كمرضى، قبل أن يُجبروا على الخروج بعد اقتحام الاحتلال للمشفى.
بعد ذلك، انتقلت العائلة إلى المستشفى الأوروبي، حيث الكهرباء غير مستقرة والمكان مكتظ بالنازحين، لدرجة أن الروائح والدخان اختنقت بها الخيام، ومحمود معها.
وفي خيمة بمواصي خانيونس، واجه محمود برد الشتاء بلا تدفئة، وصيفًا خانقًا بلا تهوية. حاول والده تركيب ألواح شمسية، لكن غياب المواد اللازمة وانعدام الصيانة أجهض كل محاولة، وبقيت كل نداءاتهم للمؤسسات الطبية، مثل "أطباء بلا حدود" أو الصليب الأحمر، دون رد.
خيمة وانتظار..
تقول زينب: "محمود يحتاج كهرباء مستمرة كي يتنفس، فرشة هوائية، بطاريات.. كل شيء اختفى. لا طعام مناسب، لا ظروف بيئية سليمة، فقط الخيمة والانتظار".
حالة محمود ليست استثناءً. في غزة، كان هناك قبل الحرب نحو 58 ألف شخص من ذوي الإعاقة، لكن النسبة ارتفعت بعد أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وتشير تقارير إلى أن أكثر من 80% من ذوي الإعاقة فقدوا كراسيهم أو أجهزة الدعم الخاصة بهم أثناء النزوح أو القصف.
وبالنسبة لمحمود وآلاف غيره، لا تعني الكهرباء رفاهية أو خدمة، بل مسألة حياة أو موت. ومع خروج 22 مركزًا صحيًا عن الخدمة وتدمير 19 مستشفى كليًا أو جزئيًا، تُصبح فرص النجاة شبه معدومة.
وتمثّل مأساة محمود وجعًا جماعيًا في غزة، حيث تتحول أضعف لحظة إنسانية إلى معركة للبقاء. وبين آلة الحرب وفقدان الرعاية، تبقى صرخة محمود وعائلته نداءً يعلو في صمت لا يسمعه أحد: "أنقذوا من تبقى حيًّا قبل أن يختنق أكثر".
ويعاني أكثر من 1.84 مليون شخص في غزة من مستويات مرتفعة من الجوع، ونحو 53% يعيشون في ظروف طوارئ غذائية، فيما يعاني أكثر من 5 آلاف طفل من سوء تغذية حاد، وفق تقارير أممية.
ووسط تفاقم الأوضاع المعيشية بسبب انعدام الغذاء وسوء التغذية الذي يعاني منه معظم أهالي القطاع، ارتفع العدد الإجمالي لضحايا المجاعة وسوء التغذية إلى 180 شهيدًا، من بينهم 93 طفلًا، وفق معطيات نشرتها وزارة الصحة اليوم الإثنين.
