في واحدة من أكثر الجرائم الإنسانية خطورةً وتجاهلًا في العصر الحديث، يتعرّض مبدأ الحياد الطبي لتهديد وجودي، مع تزايد الهجمات الممنهجة على الطواقم الطبية والمستشفيات في مناطق النزاع، وعلى رأسها قطاع غزة.
ويصف خبراء وأكاديميون هذا التوجه باسم جديد ومرعب: "إبادة الصحة"، في إشارة إلى الاستهداف المنظّم للأنظمة الصحية كجزء من استراتيجية الحرب.
ورغم أن القانون الإنساني الدولي، بما في ذلك اتفاقيات جنيف، ينص على حماية العاملين الصحيين والمرافق الطبية خلال النزاعات، فإن الواقع الميداني يكشف عن انتهاكات صارخة، وصلت إلى مستويات غير مسبوقة.
غزة: ميدان الإبادة الأكثر وضوحًا
يشير تقرير نُشر في المجلة الطبية البريطانية إلى أن ما يحدث في غزة يتجاوز مجرد خروقات قانونية إلى ما يمكن تسميته بـ"تفكيك منهجي للبنية الصحية" تحت سمع وبصر العالم.
وتشير الأرقام إلى أن العدوان الإسرائيلي الشامل على غزة أسفر عن قتل ما لا يقل عن 986 عاملاً طبيًا، إضافة إلى تدمير عشرات المستشفيات والمراكز الصحية.
ووفقًا لمنظمة "مراقبة العاملين في مجال الرعاية الصحية"، تم احتجاز 28 طبيبًا فلسطينيًا في سجون الاحتلال دون تهم رسمية، من بينهم ثمانية من كبار الاستشاريين في الجراحة، والعناية المركزة، وأمراض القلب والأطفال.
وفي شهادات مروعة نقلتها الغارديان في مشروع "الأطباء المعتقلون"، كشف بعض هؤلاء الأطباء الناجين عن تعذيب شديد داخل المعتقلات الإسرائيلية، شمل الضرب المتكرر، والحبس في أوضاع مرهقة لساعات، والحرمان من النوم، والطعام، والماء، وحتى الملابس. واعتبروا أنهم استُهدفوا تحديدًا بسبب كونهم أطباء.
مستشفيات تتحول إلى ساحات حرب
في إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي في يناير الماضي، صرّح ممثل منظمة الصحة العالمية بأن "مستشفيات غزة تحولت إلى ساحات معارك"، مشيرًا إلى أن نظام الرعاية الصحية هناك يتعرض للتفكيك بشكل منظم، ويواجه خطر الانهيار الكامل.
ومن لبنان، وثّقت وزارة الصحة العامة قتل 217 من العاملين الصحيين خلال الحرب، وتضرر 177 سيارة إسعاف، وتسجيل 68 هجومًا مباشرًا على المستشفيات بين أكتوبر 2023 ويناير 2025.
العنف ضد الصحة.. ظاهرة عالمية تتفاقم
ليست غزة وحدها. فبحسب بيانات تحالف حماية الصحة في حالات النزاع، تم تسجيل 3623 حادثة استهداف أو إعاقة للرعاية الصحية في عام 2024، وهو أعلى رقم تم توثيقه على الإطلاق.
تنوّعت هذه الانتهاكات بين قتل وتعذيب الأطباء، وخطف العاملين الصحيين، وإطلاق النار على المرضى داخل أسرّتهم، ومداهمة المستشفيات وتفجيرها عمدًا. ووقعت هذه الحوادث في بلدان عديدة من بينها أوكرانيا، وسوريا، والسودان، ولبنان، والسلفادور.
دعوة لكسر الصمت: "الحياد الطبي لم يعد كافيًا"
في مقالها، دعت الدكتورة جويل أبي راشد من الجامعة الأميركية في بيروت، وزملاؤها، إلى إعادة تعريف دور الأطباء والمنظمات الصحية في زمن الحروب، قائلة: "لقد فُرض علينا أن نكون أكثر من مجرد مراقبين محايدين. الصمت لم يعد خيارًا".
وحثت المقالة العاملين في المجال الصحي على التخلي عن الحياد السلبي، والمشاركة الفعلية في توثيق الجرائم، ومحاسبة المنتهكين، والدفع باتجاه ملاحقات قانونية دولية ضد من يرتكبون "إبادة الصحة".
تشريعات بلا مساءلة: الثغرة القاتلة في القانون الدولي
أشار المحامي والباحث المتخصص بالصحة العالمية، مارتن فان دير هيدن، في مقال في صحيفة الغارديان، إلى أن اتفاقيات جنيف رغم قوتها النظرية، تتيح ثغرات قانونية تبرر قصف المستشفيات بذريعة استخدامها لأغراض "معادية للعدو"، ما يفرغ الحماية القانونية من مضمونها ويُطلق يد المعتدين دون محاسبة.
فيما قال الدكتور أندرو جرين، رئيس لجنة الأخلاقيات في الجمعية الطبية البريطانية: "الأطباء في العالم مصدومون من التزايد الوحشي في استهداف الرعاية الصحية والمرضى والكوادر الطبية في مناطق الصراع. وفي غزة، وصل هذا الاستهداف إلى ذروته الكارثية. فمع ارتفاع خطر المجاعة، تم القضاء على آخر خطوط الدفاع الصحية التي تحمي السكان المدنيين".
ودعا جرين إلى تحرك أممي حازم، واقترح تعيين مقرر خاص في الأمم المتحدة لحماية الصحة أثناء النزاعات المسلحة، وتفعيل آليات المساءلة الدولية.
الكيل بمكيالين... صمت المجتمع الدولي
في المقابل، لا يزال رد الفعل الدولي على هذه الجرائم خجولًا ومحدودًا. فقد دعا وزير الخارجية البريطاني هاميش فالكونر إلى "تحقيقات شفافة من قبل إسرائيل"، لكنه لم يذهب أبعد من ذلك، رغم أن بلاده طرف في اتفاقيات جنيف التي تُلزمها بالمحاسبة لا بمجرد التنديد.
ويطرح هذا التناقض الصارخ سؤالًا مُلحًا: لماذا تظل الأنظمة الصحية هدفًا مشروعًا في بعض الحروب دون غيرها؟ ولماذا لا يتحرك المجتمع الدولي لحماية المستشفيات كما يتحرك لحماية خطوط الغاز أو السفن؟
وإذا أصبح الطبيب مهددًا، والمريض هدفًا، والمستشفى ساحة حرب، فأي بقايا من الحضارة ما تزال قائمة؟ "إبادة الصحة" ليست مصطلحًا أكاديميًا، بل جريمة مكتملة الأركان، تُنفّذ ببطء ولكن بثبات. ومن غزة إلى لبنان، ومن السودان إلى أوكرانيا، يتكرر السيناريو دون حساب.
الحياد الطبي لم يعد درعًا، بل صار شاهدًا على مجازر العصر الحديث. وعلى العالم أن يختار: إما حماية الإنسانية، أو إفساح المجال لحقبة تُصبح فيها المستشفيات أهدافًا مشروعة في الحروب القادمة.
