من على ارتفاع 2000 قدم، تظهر غزة كمدينة دفنتها حرب إبادة شاملة، لا كمدينة عاشت في قلب القرن الحادي والعشرين.
في رحلة نادرة على متن طائرة عسكرية أردنية شاركت في إنزال مساعدات غذائية فوق القطاع، رافقت صحيفة الغارديان البريطانية، المهمة ورصدت مشهدًا مأساويًا لغزة التي تحولت إلى أرض قاحلة من الحجارة المحطمة والركام والقبور الجماعية.
غزة من السماء لم تعد كما عرفها أهلها أو من زارها ذات يوم. ما كان يومًا مدينةً نابضةً بالحياة، بأسواقها، وشوارعها، وصخب أطفالها، صار اليوم امتدادًا للدمار. مبانٍ مهدمة بلا سقوف، وطرق مُحطّمة بلا وجهة، وأحياءٌ لم يعد لها أثر.

لكن هذا الخراب ليس نتاج زلزال أو فيضان أو كارثة طبيعية. إنه نتيجة حملة عسكرية إسرائيلية متواصلة، لم تكتفِ بمحو العمران بل استهدفت كل أشكال الحياة: البشر، والمستشفيات، والبنية التحتية، بل وحتى الذاكرة.
عدسة الغارديان: نظرة نادرة على منطقة محظورة
الرحلة الجوية التي شاركت فيها الغارديان يوم الثلاثاء، هي واحدة من الفرص النادرة التي أتيحت لوسيلة إعلامية دولية لرؤية غزة من الأعلى، بعد أن فرضت دولة الاحتلال الإسرائيلي حظرًا مطبقًا على دخول الصحفيين الأجانب إلى القطاع منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول.
وحتى هذه اللحظة، لا تزال غزة محرومة من التغطية الإعلامية المباشرة، مما يجعل هذا المشهد الجوي بمثابة نافذة صغيرة على كارثة إنسانية تغيب عن عدسات العالم.

من السماء، تمكن فريق الصحيفة من رصد مناطق تُعتبر من أكثر الأماكن تضررًا في الحرب، مثل شمال غزة، ومدينة غزة، وخان يونس، ودير البلح.
وعلى الرغم من ارتفاع التحليق، بدت تفاصيل الخراب واضحة. أحياء كاملة مسحت من الوجود، والطرقات أصبحت مجرّد خنادق، فيما غابت أي علامات على الحياة البشرية باستثناء بعض الظلال البشرية التي لا تُرى إلا بعدسة مكبرة.
إنزال جوي مكلف.. لا يكفي ولا يُغني من جوع
خلال الرحلة، ألقت الطائرة ثلاث منصات من المساعدات الغذائية. لكن هذه الكمية، وفقًا لتقديرات منظمات الإغاثة، لا تمثل سوى نقطة في بحر حاجة غزة الجائعة.

الجيش الأردني، الذي نفّذ 140 عملية إنزال جوي حتى الآن، أشار إلى أن كمية المساعدات المُسلمة منذ نهاية يوليو/تموز لم تتجاوز 325 طنًا. وهذه الكمية تعادل ما كانت غزة تستقبله في أربعة أيام فقط من القوافل البرية قبل الحرب.
وإلى جانب محدودية الكمية، فإن عمليات الإنزال محفوفة بالمخاطر؛ فقد قضى 12 شخصًا غرقًا خلال محاولتهم استعادة مساعدات سقطت في البحر، فيما سقطت منصات على رؤوس سكان، ما أدى إلى قتل ما لا يقل عن خمسة مدنيين.
القصف لا يرحم حتى الزهور
بين المشاهد المؤلمة التي وثّقها التقرير، تبرز قصة الطفلة ياقين حماد، 11 عامًا، أصغر مؤثرة في غزة، التي قُتلت في دير البلح أثناء سقيها الزهور في رقعة خضراء صغيرة وسط مخيم للنازحين.

وفي خان يونس، تُذكّرنا الأنقاض بجريمة أخرى: مجزرة منزل الدكتورة علاء النجار، طبيبة الأطفال التي فقدت زوجها وتسعة من أطفالها العشرة في غارة إسرائيلية خلال مناوبتها في مستشفى التحرير بمجمع ناصر الطبي.
من السماء، بدت غزة كأنها شريحة صغيرة من الأرض، بالكاد تُرى مقارنة بعواصم ومدن كبرى. ومع ذلك، فقد تحوّلت هذه البقعة – الأصغر أربع مرات من لندن – إلى مسرح لأحد أكثر الصراعات دموية في العالم، مع أكثر من 60 ألف شهيد فلسطيني بحسب تقديرات وزارة الصحة، وآلاف آخرين تحت الأنقاض بلا أسماء ولا قبور.
رفح.. النهاية المروعة للمشهد
في الأفق الجنوبي، أشار أحد الجنود الأردنيين نحو رفح قائلاً: "هناك رفح". لكن رفح التي كانت ملاذًا أخيرًا للنازحين، أصبحت اليوم رمزًا لفشل العالم في حماية المدنيين.

منذ مايو/أيار، تُشرف منظمة مدعومة من دولة الاحتلال والولايات المتحدة على توزيع المساعدات هناك، ما أدى إلى مشاهد مأساوية لمئات الجثث المتكدسة بعد تهافتهم على الطعام.
وفي 23 مارس/آذار، عند تلال غير بعيدة عن المدينة، قُصفت قافلة إسعاف فلسطينية، ما أسفر عن قتل 15 مسعفًا، ودفنهم لاحقًا في مقبرة جماعية، في واحدة من أكثر الحوادث فظاعة خلال الحرب.
الغياب الإعلامي.. جريمة موازية
خلال الرحلة، قالت مراسلة الغارديان في غزة إن صوت الطائرة كان يخترق صمت الأحياء المدمرة. والمراسلة مثل أكثر من مليوني فلسطيني، تعيش في عزلة إعلامية مفروضة بالقوة، رغم أنها تُراسل من قلب الكارثة، من دون ماء، أو غذاء، أو كهرباء. في ظل الحصار، لا أحد من زملائها في الخارج التقاها شخصيًا.
هذا الحصار الإعلامي لا يقل جرمًا عن المجازر العسكرية. فقد اتشهد أكثر من 230 صحفيًا فلسطينيًا منذ بداية العدوان، وتُرك العالم يعتمد على ما تسمح به إسرائيل من صور جوية أو على شهادات ينجو أصحابها بأعجوبة من الموت.

غزة… ما الذي تبقّى؟
عند العودة إلى قاعدة الملك عبد الله الجوية في الأردن، بدا الصمت هو الغالب بين الصحفيين. سؤال واحد تردد في أذهانهم: ما الذي تبقّى لتدميره في غزة بعد كل هذا؟ وهل ستسمح سلطات الاحتلال يوماً للصحفيين بأن ينقلوا الحقيقة من الأرض وليس فقط من السماء؟
غزة، من السماء، ليست فقط ركامًا من الخرسانة، بل مرآة عاكسة لفشل الإنسانية، ولسؤال مفتوح: إلى متى سيبقى العالم ينظر إلى المأساة من فوق، دون أن ينزل إلى الأرض لإنهائها؟.


