تاركًا خلفه وجعًا لا يُنسى، ورحيلًا يُشبه جريمةً مفتوحة، غادر الطفل عبد الله أبو زرقة (5 أعوام) هذا العالم، بعد أن هزّ ضمير الإنسانية بكلماته البريئة: "أنا جعان.. يا الله أنا جعان"، التي خرجت من خيمة في غزة، وبلغت آفاق العالم، دون أن تغيّر شيئًا.
لم تكن صرخة عبد الله مجرد نداء طفل جائع، بل كانت صدىً لمعاناة عشرات آلاف الأطفال في غزة، المحاصرين بالموت البطيء، والذين يعيشون مجاعةً ممنهجة في ظل حصارٍ خانق، وانهيار المنظومة الصحية، وتخاذل المجتمع الدولي.
كان عبد الله يعاني من المرض وسوء التغذية الحاد، ومع ذلك لم تُفتح له أبواب النجاة إلا متأخرًا؛ حيث تم نقله لتلقي العلاج في تركيا، لكن حالته الصحية تدهورت سريعًا، فاستُشهد هناك، بعيدًا عن حضن والدته، وعن مدينته التي صرخ باسمها جائعًا.
ولا تزال تعيش عائلته وقع الفاجعة، خاصةً مع استمرار معاناة شقيقته الطفلة "حبيبة"، التي ترقد اليوم في غزة وهي تواجه المصير ذاته، في انتظار علاج قد لا يصل أبدًا.
وكان مشهد بكاء عبد الله وصرخته الموجعة، انتشر كالنار في الهشيم على منصات التواصل الاجتماعي، وتداوله الملايين حول العالم، لكنه لم يفلح في إنقاذه بالوقت المناسب.. مات الطفل، وبقيت صرخته عالقة في الضمير الإنساني، تُدين كل من سمع ولم يتحرك.
ويأتي رحيل عبد الله في وقتٍ تتصاعد التحذيرات من كارثة إنسانية غير مسبوقة في قطاع غزة، وسط اتساع رقعة المجاعة التي باتت تهدد حياة أكثر من 100 ألف طفل ومريض، في ظل حصار خانق، وانهيار شبه كامل في المنظومة الصحية، وغياب المساعدات الكافية.
وتُطلق مناشدات متواصلة لإنقاذ ما تبقى من الأرواح، خاصة الأطفال، مع استمرار العدوان الإسرائيلي وتجويع السكان كأداة حرب.، وفي أحدث حصيلة، أعلنت وزارة الصحة الفلسطينية اليوم الثلاثاء، عن وفاة 3 مواطنين بالغين جراء الجوع وسوء التغذية خلال الـ 24 ساعة الماضية.
وبذلك، يرتفع إجمالي ضحايا المجاعة منذ بدء العدوان إلى 266 شهيدًا، من بينهم 112 طفلًا، ما يعكس حجم المأساة التي يعيشها المدنيون في غزة، ويضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية قانونية وأخلاقية لوقف هذه الإبادة البطيئة.
