منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة، وما سبقها من تصعيد كبير مع إيران وحزب الله على جبهة لبنان، بدأ الاقتصاد الإسرائيلي يظهر علامات تآكل متسارعة.
وبينما هدأت الجبهات الخارجية، ما تزال الأعباء المالية والاقتصادية لتلك المواجهات حاضرة، وهو ما وصفته صحيفة "إسرائيل اليوم" بأنه "انهيار اقتصادي"، في ضوء بيانات رسمية كشفت انكماش الناتج المحلي بنسبة 3.5% في الربع الأخير.
في ظل هذه المؤشرات المتسارعة على التراجع، يرى محللون وخبراء في الشأن الاقتصادي أن ما تظهره الأرقام ليس سوى بداية لانكماش أعمق قد يمتد أثره لسنوات.
ولفهم أبعاد هذه الأزمة على المديين القريب والبعيد، تحدثت "وكالة سند للأنباء" إلى أستاذ الاقتصاد في جامعة النجاح الوطنية، نائل موسى، الذي أكد أن هذه المعطيات ليست مفاجئة، موضحًا أن الحرب على غزة، والانخراط في مواجهات مع إيران، إلى جانب مشاركة أعداد كبيرة من العاملين في قوات الاحتياط، عوامل ساهمت في إضعاف القوة الإنتاجية، وخفض النمو.
ويضيف موسى أن الأزمة لا تقتصر على العامل البشري فقط، بل تشمل أيضًا هروب استثمارات، تعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكلفة النقل نتيجة الحصار البحري وتغيير المسارات، مؤكدًا أنّ هذا التأثير سيتواصل لسنوات.
انكماش شامل وقطاع البناء في قلب الأزمة
تقرير صحيفة "كالكاليست" أشار إلى تراجع كبير في القطاعات الرئيسية:
الناتج الفردي انخفض بنسبة 4.4%.
استهلاك الأفراد تراجع بنسبة 5.1%.
الإنفاق على السلع المعمرة بنسبة 10%.
وعلى السلع شبه المعمرة بنسبة 35%
الاستثمارات الكلية انخفضت بنسبة 12%
قطاع البناء السكني تراجع بنسبة 18%
البناء غير السكني انهار بنسبة 25%
ووصف التقرير هذا الأداء بأنه "أعمق انكماش منذ سنوات"، مع عجز ملحوظ في مشاريع البناء ونقص حاد في العمالة، ما زاد أزمة السكن سوءًا، ورفع الأسعار إلى مستويات غير مستدامة.
جمعة: اقتصاد الحرب مُضلل والتضخم قادم
من العاصمة المصرية القاهرة، قال الخبير الاقتصادي الفلسطيني أيمن جمعة، إن "الاقتصاد في زمن الحرب لا يمكن إخضاعه لتحليل منطقي أو قراءة حيادية"، محذرًا من أن تدفق الأموال لتغطية العجز والرواتب قد يخلق تضخمًا كبيرًا.
وأضاف جمعة في حديثٍ مع "وكالة سند للأنباء" أنّ "القوة الاقتصادية لا تُقاس بالسيولة أو الدعم الخارجي، بل بالبنية الإنتاجية والعقول العاملة، وإلا تحول المال من حل إلى مشكلة".
وأكد أن الأرقام الحالية لا تعبّر عن واقع دائم، بل ستنكشف الحقائق الاقتصادية فور انتهاء الحرب، مثلما حدث في أوكرانيا، حيث ضخّ الدعم الغربي لم يُخفِ هشاشة الاقتصاد.
الاعتماد على الواردات وتآكل الثقة بالأسواق
البيانات تشير إلى تراجع الصادرات بنسبة 7%، لكن باستثناء الألماس وشركات التكنولوجيا، يبلغ التراجع الفعلي 3.5% فقط.
أما الواردات فارتفعت لتشكّل 21% من موارد الاقتصاد، مما يدل على اعتماد مفرط على الخارج، وهو ما تعتبره "كالكاليست" نقطة ضعف استراتيجية أمام أي عقوبات أو تغييرات في الاتفاقيات التجارية.
تكلفة الحرب: 300 مليار شيكل وديون تتراكم
الإعلام الإسرائيلي قدّر تكلفة الحرب المتعددة الجبهات حتى الآن بنحو 300 مليار شيكل (88.7 مليار دولار)، ما أدى إلى قفزة في معدلات الاقتراض الحكومي وديون الدولة.
وفي هذا السياق، أشار كبير استراتيجيي الأسواق في بنك "مزراحي تفاحوت"، رونين مناحيم، إلى أن "البيانات الأولية تعكس أثر الحرب مع إيران على النشاط التجاري والاستهلاك".
وتوقع تباطؤًا طويل الأمد في التعافي يعتمد على البيئة الأمنية والسياسية، مع الحاجة إلى سياسة مالية حذرة تركز على دعم النمو المستدام.
