قالت صحيفة الغارديان البريطانية في افتتاحيتها اليوم إن ما يجري في غزة لم يعد مجرد حرب عسكرية، بل مأساة إنسانية مفتوحة على مزيد من الانهيار، محذّرة من أن استمرار العدوان الإسرائيلي واستهداف المدنيين سيدفع المنطقة والعالم إلى عواقب كارثية.
واعتبرت الصحيفة أن احتلال مدينة غزة لن يؤدي إلا إلى "تعميق الرعب" بدلًا من إنهاءه، وأنه آن الأوان لإيقاف القتل وإجبار إسرائيل على احترام وقف إطلاق النار الذي وافقت عليه حركة حماس بالفعل.
أرقام صادمة: 62 ألف شهيد معظمهم نساء وأطفال
أشارت الصحيفة إلى أن وزارة الصحة في غزة أكدت استشهاد أكثر من 62 ألف فلسطيني منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية قبل 22 شهرا، معظمهم من النساء والأطفال، في حين يعيش الناجون في ظروف مجاعة وحصار خانق.
ورأت أن ما تسرب مؤخرًا من تسجيل لرئيس المخابرات الإسرائيلية السابق، أهارون حاليفا، الذي قال: "مقابل كل شخص في السابع من أكتوبر، يجب أن يموت خمسون فلسطينيًا. لا يهم إن كانوا أطفالًا"، يُظهر بوضوح أن ما يجري ليس سوى جريمة حرب موصوفة وليست عملية عسكرية مشروعة.
وأبرزت الغارديان أن وزير الجيش الإسرائيلي، إسرائيل كاتس، وافق على خطة جديدة تتضمن استدعاء 60 ألف جندي لاقتحام مدينة غزة والسيطرة عليها.
وهذه الخطوة، بحسب الصحيفة، ستعني نزوح مئات الآلاف من المدنيين المنهكين والمصابين بصدمات نفسية، وتعميق الجوع والفوضى الإنسانية.
وفي المقابل، أكدت الصحيفة أن هناك خيارًا آخر متاحًا أمام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو قبول وقف إطلاق النار الذي عرضته فصائل المقاومة الفلسطينية، والذي يتطابق تقريبًا مع مبادرة سابقة من المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف، وكانت دولة الاحتلال قد قبلت به من قبل.
نتنياهو ومأزق البقاء في السلطة
ترى الغارديان أن تمسك نتنياهو باستمرار الحرب لا يعود فقط إلى اعتبارات أمنية أو عسكرية، بل يرتبط أيضًا بمحاولة إطالة بقائه في الحكم وتجنّب محاكمته في قضايا الفساد التي يُفترض أن تستأنف قريبًا.
وأشارت إلى أن الضغوط الداخلية تتزايد عليه، إذ أظهر استطلاع أن 74% من الإسرائيليين يريدون إنهاء الحرب، بينما خرجت احتجاجات واسعة في نهاية الأسبوع تطالب بالتركيز على تحرير الرهائن وحماية الجنود بدلاً من إطالة أمد الصراع.
لكن الصحيفة لفتت أيضًا إلى مفارقة خطيرة، وهي أن معارضة الحرب قد تدفع نتنياهو إلى زيادة الاعتماد على شركائه في الائتلاف اليميني المتطرف، ما يجعله أكثر تمسكًا بالتصعيد العسكري بدلًا من التراجع.
تآكل صورة إسرائيل دوليًا
على الصعيد الدولي، أكدت الغارديان أن معاناة الفلسطينيين تقوّض مكانة دولة الاحتلال الإسرائيلي يوميًا.
فقد أظهر استطلاع لوكالة رويترز أن 58% من الأمريكيين باتوا يؤيدون الاعتراف بدولة فلسطينية، بينما يرى 59% منهم أن العدوان الإسرائيلي في غزة مفرط وغير مبرر. كما اعتبرت دول عدة أن خطة احتلال مدينة غزة تمثل خطرًا جسيمًا:
الأردن حذّر من أنها ستقضي على جميع فرص السلام في الشرق الأوسط.
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصفها بأنها ستقود إلى "كارثة حقيقية".
أما الهجوم الإسرائيلي على منتقدين دوليين مثل رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز، فقد زاد من عزلة نتنياهو وأظهره في صورة يائسة.
خيارات قاتمة أمام الفلسطينيين
أشارت الصحيفة إلى أن المدنيين الفلسطينيين في غزة لم يعد أمامهم سوى الخيار بين البقاء لمواجهة الهجوم الإسرائيلي المباشر، أو الفرار دون وجهة آمنة، في ظل تدمير المستشفيات والمدارس ومراكز الإيواء.
ووصفت الصحيفة الوضع بأنه "أحد أبشع أشكال العقاب الجماعي في العصر الحديث"، مؤكدة أن الاستمرار في هذا النهج سيُبقي المنطقة في دوامة دموية بلا أفق.
واختتمت الغارديان افتتاحيتها بالتأكيد أن وقف إطلاق النار ضرورة عاجلة، وأن على المجتمع الدولي، وخاصة الولايات المتحدة وحلفاء إسرائيل في أوروبا، أن يتوقفوا عن توفير الغطاء السياسي والدعم العسكري لها. ودعت إلى:
إنهاء جميع صفقات نقل الأسلحة إلى دولة الاحتلال الإسرائيلي.
فرض عقوبات اقتصادية إضافية على حكومة نتنياهو.
تعليق مشاركة دولة الاحتلال في برامج بحثية أوروبية مثل "هورايزون".
استخدام أدوات الضغط التجاري مثل تعليق الإعفاء الجمركي، لإجبار تل أبيب على الالتزام بالقانون الدولي.
وشددت الصحيفة على أن أي اتفاق إقليمي واسع في الشرق الأوسط – كما يحلم به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب – لا يمكن أن يُبنى على أنقاض مدينة غزة.
وتكشف افتتاحية الغارديان حجم القلق الغربي من استمرار العدوان الإسرائيلي على غزة، وتؤكد أن الحرب لم تعد فقط قضية فلسطينية-إسرائيلية، بل باتت اختبارًا أخلاقيًا عالميًا.
ومع تزايد الضحايا الفلسطينيين والجوع والنزوح، فإن استمرار التواطؤ الدولي مع الاحتلال يهدد بانهيار كامل لمصداقية القيم الإنسانية التي يرفعها الغرب.
