في قطاع غزة، حيث لا يمرّ يوم دون فقدٍ جديد، تتجدد قصص النساء اللواتي يخضن معارك الصبر في وجه الموت والتهجير والفقدان.
خلال جولة ميدانية داخل مراكز الإيواء، رصدت " وكالة سند للأنباء" شهادات ثلاث نساء من غزة، يروين تفاصيل حياتهن اليومية في ظل الحرب، بعد أن خسرن أزواجهن بين شهيد ومعتقل، وبقين وحدهن يواجهن النزوح والمسؤولية.
في مدرسة الرافدين بحي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة، تسكن إيمان الجراح، التي تلقت نبأ استشهاد زوجها في موقع "زيكيم" من صديقه، دون أن ترى جثمانه، ودون أن تحظى بوداع أو حتى قبر تقف عنده.
"لم أرَ زوجي شهيداً، ولم أودّعه، حتى قبر أزوره لا يوجد. فقط كلمات صديقه التي أكدت رحيله وتركتني معلقة بين الصدمة والانتظار"، تقول إيمان بصوت متعب، قبل أن تضيف: "أبنائي يسألون عن أبيهم، وأنا عاجزة عن إجابة تُبرد قلوبهم الصغيرة".
تعيش إيمان اليوم وسط مدرسة مكتظة بالنازحين، في ظل غياب الزوج والدعم، لكنها تخفي جرحها عن أطفالها، وتحاول أن تمنحهم شعوراً بالحياة في مكان لا يشبهها.
وإن كانت إيمان قد ودّعت زوجها شهيدًا دون وداع، فإن مروة عسلية تعيش وجعًا من نوع آخر، فزوجها معتقل منذ لحظة النزوح، ولا تعلم إن كان ما زال على قيد الحياة.
ففي مدرسة حسن البصري، تجلس مروة محاطة بأربعة أطفال، إضافة إلى حماتها وابنتها المقعدة.
اعتُقل زوجها أثناء النزوح جنوباً بعد اجتياح خانيونس، ومنذ ذلك الحين لم تعرف مصيره.
تقول: "كل ليلة يسألني أبنائي: متى يعود أبي؟ لا أعرف ماذا أقول لهم.. أحاول أن أزرع فيهم الأمل، لكن قلبي يعرف أن السجون ظالمة، وأن الغياب طويل".
وتتابع: "أتحمل كل شيء، لكن أصعب ما في الأمر أن أرى دموعهم دون أن أستطيع أن أمسحها."
رغم النزوح والضغوط النفسية والجسدية، تحاول مروة أن تكون الأم والأب والسند في آنٍ واحد.
وفي مدرسة أخرى، لا يقلّ الوجع، بل يأخذ شكلاً مختلفًا، حيث تقف نعمة أبو خوصة على باب فرن صغير، تُعدّ أرغفة خبز لأطفالها الأربعة، بعد أن فقدت زوجها شهيدًا.
تشارك نعمة في مشروع نسوي لإنتاج الخبز بعد استشهاد زوجها، تحاول أن تؤمن قوت أولادها الأربعة، وتمنحهم شعوراً بالثبات وسط الانهيار العام.
"أولادي لا يعرفون معنى أن يكون لهم أب رحل ولن يعود.. أحاول أن أُطعمهم من عرقي، أن أجعلهم يشعرون أن الحياة لم تنتهِ بعد"، تقول نعمة وهي تضع الأرغفة في الفرن.
وتضيف: "الخبز الذي أعدّه كل يوم ليس مجرد طعام، إنه وسيلتي لأقول لهم: نحن باقون".
بين الأرامل، والمعتقلات، وأمهات الشهداء، تتواصل المعاناة اليومية في مراكز الإيواء، حيث تختلط مشاعر الغضب بالحزن، والخوف بالإصرار، واليأس بصناعة الأمل.
ورغم كل هذا الوجع، تزرع نساء غزة في قلوب أطفالهن بذور الأمل، ويكتبن يوميًا فصلاً جديدًا من حكاية بقاءٍ أقوى من كل الجراح.
