إلى غيث.. قلب أمّه الصغير وامتدادها في الحياة. إلى العائلة الجميلة التي كانت سندًا ودفئًا وحبًا، كما وصفتهم شهيدة الكلمة والصورة مريم أبو دقة في رسالتها الأخيرة، التي كانت بمثابة وداع مليء بالحب والأمل، وتذكير بأن الحياة تستمر رغم ألم الفقد.
استشهدت الزميلة الصحفية مريم أبو دقة صباح اليوم الاثنين، رفقة 19 آخرين بينهم صحفيين، في مجزرة مروعة ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في مجمع ناصر الطبي بخانيونس جنوب قطاع غزة.
لم يكن استشهاد مريم مجرد فقدان لزميلة صحفية فحسب، بل ترك أثرًا عميقًا في نفوس من عرفوها وعملوا معها، حيث كانت مثالًا على الشجاعة والإصرار في نقل الحقيقة رغم المخاطر.
صديقتها المقربة دعاء زعرب نشرت بعد استشهادها على صفحتها في فيسبوك رسائل كتبتها مريم بعفوية ولهجة بسيطة، موجهة إلى طفلها الوحيد غيث وعائلتها، وطلبت منها ألا تُفتح هذه الرسائل إلا في حال غيابها الأبدي.
تُظهر هذه الرسائل حبها العميق لعائلتها، واهتمامها الكبير بطفلها الوحيد، وتذكيرها لهم بالبقاء أقوياء والاستمرار في الحياة رغم كل ما يحدث.
في رسالتها لعائلتها، خاطبت والدها قائلة: "بابا إنت الجبل والسند اللي طول عمري بحبه وواقف معايا، الله يعطيك الصحة والعافية، دير بالك ع حالك مشاني. لا تزعل عليّ، أنا مبسوطة لأني ارتحت من هالحياة، وبدي أروح عند ماما".
وتابعت بالوصية الأهم: "أمانة دير بالك ع غيث واطمّن عليه، هو كثير بحبكم".
لم تنسَ إخوتها الذين وقفوا إلى جانبها، فتمنت لهم: "إخواني الله يحفظكم ويرزقكم ويوسّعها عليكم، على قد ما كنتوا مناح معي. خواتي الحبيبات، راح أشتاقلكم كتير، بس تعودتوا ع غيابي بسبب الشغل، أمانة تدعولي".
ولزوجات إخوانها كتبت بمودة: "نسوان إخوتي، الله يسعدكم ويريّح بالكم، أمانة ديروا بالكن ع حالكن وعلى الأولاد، أنا بحبكم.. وأولاد إخوتي وخواتي كمان بحبهم، ديروا بالكم ع حالكم".
وختمت: "اطمّنوا على غيث، كثير بحبكم. لكل الأحباب، الله يحفظكم".
رسالة إلى غيث.. قلب أمّه وروحها
لكن أكثر ما يقطع القلب هو رسالتها لغيث، طفلها الوحيد ابن الـ11 ربيعًا، الذي كانت تصارعه لتضحكه، لتطعمه، لتنامه، ولتنشئه بحب وأمان.
كتبت له في رسالتها الأخيرة: "غيث قلب وروح أمك، أنا بدي منك تدعيلي، ما تبكي عليّ مشان أضل مبسوطة، بدي ترفع راسي وتصير شاطر ومتفوق وتكون قد حالك وتصير رجل أعمال. يا حبيبي ما تنساني".
حاولت بلطف تخفيف وطأة الفقد الذي سيظل يثقل قلبه، مطمئنة إياه بحنان: "أنا كنت دايمًا أعمل كل شيء عشان تظل مبسوط ومرتاح".
ورغم كل ما يحيط بها من موت وحزن، كانت تحلم له بمستقبل مليء بالفرح، فطلبت منه أن يحمل اسمها في المستقبل: "بس تكبر وتتزوج وتجيب بنت، سميها مريم على اسمي.. أنت حبيبي، وقلبي، وسندي، ورافع راسي، بدي دايمًا أتباهى فيك".
وختمت رسالتها بوصية أم حنون تعرف سرّ التوفيق: "أمانة يا غيث: صلاتك، ثم صلاتك، ثم صلاتك.. أمك مريم".
يُشار إلى أنّ استشهاد مريم أبو دقة وزملائها ليس حادثًا منفردًا، بل هو جزء من مأساة أكبر؛ إذ بلغ عدد الصحفيين الفلسطينيين الذين استُشهدوا منذ بداية العدوان على القطاع 245 صحفيًا، في مؤشر مقلق على استمرار استهداف ممنهج لمن يوثقون الحقيقة وينقلون صوت غزة للعالم.
