في زمنٍ تحوّل فيه القلم والعدسة إلى أهداف مباشرة، غيّبت يد الاحتلال الغادرة، الصحفية الفلسطينية مريم أبو دقّة (32 عامًا) في مجمع ناصر الطبي بخان يونس جنوب قطاع غزة، تاركةً وراءها قصة إنسانية مفعمة بالأمل، والتضحية.
لم تكن مريم مجرد صحفية تحمل كاميرا، بل كانت ابنةً بارّةً، أمًا محبة، وإنسانة وهبت جزءًا من جسدها للحياة، قبل أن تهب روحها للحقيقة.
ابنة غزة الشجاعة..
نشأت مريم في عائلة فلسطينية مكوّنة من 6 إخوة و5 بنات، حيث كانت هي الثالثة بين أخواتها، ومنذ صغرها، تولى أشقاؤها دورًا كبيرًا في تربيتها بسبب انشغال والدها في العمل.
ومن هنا نشأت مريم، الفتاة الشجاعة، المعطاءة، التي لا تعرف للخوف طريقًا. اختارت مريم دراسة الصحافة والإعلام، لتبدأ رحلتها مع الكاميرا وتوثيق ما يعيشه شعبها الفلسطيني في ظل العدوان والحصار.
وفي حديث شقيقها مجاهد لـ"وكالة سند للأنباء"، قال: "كانت مريم دومًا حاضرة في الميدان، في مسيرات العودة وفي الدفاع المدني، كانت عدستها تلتقط كل مشهد يروي حكاية شعب يعاني منذ عقود، لكنها أيضًا كانت تلتقط لحظات الأمل والمقاومة في كل زاوية".
في عام 2016، عانت والدها من فشل كلوي وكان بحاجة ماسة إلى غسيل كلى دائم، بعد محاولات فاشلة من أشقائها للتبرع له، قررت مريم أن تكون هي المنقذة.
أجرت عملية التبرع بكلية واحدة لوالدها رغم معارضة الأخير، قائلة له: "الإنسان يعيش بنصف كلية، وأنت بالنسبة لي الحياة كلها".
العملية التي أجرتها مريم كانت ناجحة، لكن الأهم في نظرها كان إصرارها على عدم التحدث عن تلك التضحية، معتبرةً أن ما فعلته هو واجبها كابنة تجاه والدها.
بين حب الأمومة والتضحية
بعد انفصالها عن زوجها، كرّست مريم حياتها بشكل كامل لتربية طفلها الوحيد غيث (11 عامًا). رفضت الزواج مجددًا واختارت أن تكون الأم والأب في ذات الوقت لابنها، الذي كان أغلى ما في حياتها.
وعندما اشتدت فصول حرب الإبادة على قطاع غزة، قررت إرسال غيث إلى الإمارات ليكون في أمان مع جده، حتى تنتهي الحرب. رغم رفض طفلها الابتعاد عنها، وعدته قائلةً: "عندما تنتهي الحرب سأعيدك إلى غزة".
مجاهد شقيقها يروي كيف كانت غيث صدمة بعد استشهاد أمه، لكنه واجه الموقف ببطولة: "قال لجده وهو يبكي: إنت اللي ضايل إلي بعد أمي… دير بالك ع حالك".
في أيامها الأخيرة، كتبت مريم وصيتها المؤثرة لابنها غيث، أوصته فيها بالصلاة، وحثّته على التفوق في دراسته. كما طلبت منه أن يرفع رأس أمه دائمًا، وأوصته بألا يبكي عليها، بل أن يسمي ابنته حين يكبر ويتزوج على اسمها "مريم".
في 25 أغسطس/ آب 2025، كانت مريم أبو دقة في مجمع ناصر الطبي بخان يونس، توثق لحظات استهداف الاحتلال للطابق العلوي في المستشفى، وبينما كانت الكاميرا تلتقط مشاهد القصف، تعرضت هي وزملاؤها لقصف ممنهج.
إذ استهدفت الغارة الأولى المكان، فيما استهدفت الثانية الصحفيين والمسعفين الذين هرعوا لإنقاذ المصابين، لترتقي مريم شهيدةً مع 19 آخرين بينهم صحفيين.
مجاهد شقيقها وصف لحظة انتشالها بأنها كانت "الأصعب في حياته"، موضحًا أن مريم رحلت كما عاشت، شهيدةً للحق، وعدسةً تنقل الحقيقة وسط أزيز الرصاص وقصف الموت.
مريم لم تكن مجرد مراسلة ميدانية توثق الأحداث، بل كانت إنسانة في المقام الأول. زملاؤها في المهنة وصفوها بأنها "صاحبة عدسة إنسانية، مخلصة في عملها، قريبة من الناس، ومثال في الإقدام".
يُشار إلى أنّ مريم عملت مع العديد من الوكالات المحلية والدولية مثل "أسوشييتد برس" و"إندبندنت عربية"، وكانت عدستها شاهدة على معاناة الأطفال، مجازر الاحتلال، وحكايات النزوح.
أحد صورها الأخيرة كانت ملتقطة في درج مستشفى ناصر، حيث استشهدت، لتصبح الصورة شاهدة على لحظات موت صاحبتها، ومجموعة من اللحظات الإنسانية التي لا تقدر بثمن.
رحيل مريم أبو دقة لم يكن مجرد خسارة لعائلتها، بل كان خسارة للأسرة الصحفية الفلسطينية والعالمية، وهي واحدة من أكثر من 246 صحفيًا ارتقوا في الحرب الأخيرة على غزة، ليبقى استهداف الصحفيين شاهدًا على حرب الإبادة بحق من يحملون راية الحقيقة.
