تُلاحق سلطات الاحتلال الإسرائيلي الصحفيين الفلسطينيين من كل حدب وصوب، واضعةً كل واحد منهم على مَحك الاختيار بين نقل الحقيقة أو الموت، حتى صار النجاة أمنية والخوف من الفقد سيد الموقف.
وتحت أزيز الرصاص والموت ومجابهة الحرب بالصوت والصورة والقلم، يقف الصحفي في غزة بثبات لنقل الرسالة، في محاولة لإخفاء خوفه كإنسان يحاول أن يعود آخر اليوم إلى حضن عائلته بسلام.
ومنذ بداية العدوان على غزة في أكتوبر/ تشرين أول 2023، استشهد أكثر من 246 صحفيًا، بعضهم استُهدف في بيته، وآخرون خلال أدائهم واجبهم المهني، ما يؤكد أن الاحتلال لم يعد تطيق وجود الشهود، ويخشى الصورة التي تفضح جرائمه أكثر من أي سلاح آخر.
وتنقل "وكالة سند للأنباء" في تقريرها، بعضاً من تفاصيلٍ خُبِّأت خلف الكواليس، تُرافق كل صحفي حُفت حياته بالخَيار والقرار.
"نحن جزء من القصة"..
الزميلة رشا أحمد مصورة صحفية ميدانية، تحاول أن تُبقي نافذة صغيرة مفتوحة على الحقيقة، وسط حرب لا تُبقي لنا سوى الركام والصدى، والكثير من الألم والفقد.
اختارت "أحمد" أن تكون في قلب الميدان، حيث صوت الناس، صراخ الأطفال، ووجع الأمهات، لكنه كله بثمن كما قالت لـ "وكالة سند للأنباء"، "لم يكن الطريق سهلاً ولا عادياً، فالحرب سرقت منا الأمان وحولت كل خطوة إلى مغامرة قد تكون الأخيرة".
وكحال غيرها من الزملاء، يتملكها صراع لا ينتهي بداً بكونها إنسانة قبل كل شيء، تخاف وترتجف حين يقترب القصف، تفكر بأمها التي تنتظرها وأحلامها الصغيرة المؤجلة.
ويقطع جميع هذه المخاوف جُرأة الحقيقة وأمانة المهنة، التي تضطرها أن تكتم خوفها، أن ترفع الكاميرا وتكتب الخبر بينما قلبها يصرخ.
تقول "أحمد": "هذا التناقض يُنهكني، لكنني أتمسك به كمن يتمسك بخيط نجاة، لأنه هو ما يبقيني واقفة".
ولا أقسى من الفقد، الذي واجهته ضيفتنا في كل مرة يصلها خبر استشهاد زميل صحفي، مُعبرةً:" كل مرة أشعر وكأن روحي تتشقق، كانوا قبل قليل معنا، نضحك ونتقاسم الخبز والقهوة، وفجأة نصبح نحن من ينعيهم".
وتزيد: "لم أنسَ أبداً تلك اللحظات التي رأيت فيها زميلاً يُستهدف أمام عيني، مشهد يلاحقني في النوم واليقظة، ويذكرني دوماً بأننا لسنا مجرد ناقلين للخبر، بل نحن جزء من القصة التي تُكتب بالدم".
وتُلاحق الصحفي في قطاع غزة مخاوف لا تنتهي، أن يصبح هو القصة، أن يُمحى صوته قبل إكمال الرسالة، فيما تُبدي "أحمد" خوفها أن تستيقظ يوماً دون أن تجد وسيلة تكتب بها أو تنقل من خلالها وجع الناس، "أخاف أن يتوقف العالم عن الاستماع إلينا".
وعن سؤالنا "هل فكرتِ بالتنحي عن العمل يوماً؟" تُجيب "أحمد: "نعم، حين فقدت أشقائي منهم أخي التوأم وكنت مشردة مع عائلتي، سألت نفسي: هل يستحق الأمر أن أُعرّض حياتي وحياة من تبقى من أحبتي للخطر؟".
لكن سرعان ما استدركت ضيفتنا حديثها:" لكن يعود بداخلي صوت آخر يذكرني أن صمتي يعني موت الحقيقة، وأن الرسالة التي نحملها هي أقوى من أي خوف أو ألم، لهذا أواصل رغم كل شيء، حتى ولو كنت أعمل من بين الركام أو من خيمة نزوح".
وتختم بالقول: "الصحافة بالنسبة لي لم تعد مهنة فقط، صارت واجباً ورسالة ووسيلة للبقاء، قد أفقد الكثير، لكني أؤمن أن صوت الحقيقة أقوى من كل محاولات التكميم والترهيب، وفي كل مرة أرفع الكاميرا، أشعر أنني أمنح الضحايا حياة ثانية في ذاكرة العالم".
"نحن في صراع مؤلم"..
"أنا بعيش انقسام داخلي مؤلم"، هكذا استهلت الصحفية دعاء شاهين حديثها لمراسلة "وكالة سند للأنباء"، والتي تعمل كصحفية مستقلة توثق الروايات التي ما يتم تغييبها أو إسكاتها، وإيصال صوت أهالي غزة للعالم.
ولم ترَ "شاهين" العمل في ظل حرب الإبادة تجربة عابرة، بل وصفته بـ "امتحان يومي للقدرة على البقاء حيّة نفسيًا وجسديًا"، على رأسها العيش تحت تهديد دائم.
ويُرافق الخوف "شاهين" عند كل خروج لتغطية قصة، معتبرةً أن ذلك يمكن أن يكون "الخروج الأخير"، ليس الخوف على نفسها فحسب، بل على عائلتها كذلك.
وفي نظر "دعاء" وغيرها من الزملاء، التغطية الصحفية ليست مجرد مهنة، بل هي فعل مقاوم للبقاء، ولحماية الحقيقة من المحو، في وقت يحاول الاحتلال السيطرة حتى على الرواية.
ويبقى تناقض المشاعر سيد الموقف وأقساها، "أنا بعيش انقسام داخلي مؤلم كدعاء الإنسانة" مُبديةً خوفها على حياتها وعائلتها وسط رغبة تتملكها في "الهروب من كل هذا الرعب".
وتستدرك بالقول "لكن كصحفية، في صوت داخلي بيضل يلح عليّ: لازم أنقل الحقيقة، لازم أسجل اللي بصير، لأنه ممكن ما يضل حدا يحكي قصتنا".
وتُعبِّر "شاهين" "هذا الصراع بيوجع"، لكن ربما هو ما يعطينا دافعاً للمواصلة رغم الخوف، رغم معرفتنا أننا مستهدفون كغيرنا.
أما عن صدمات استهداف الزملاء الصحفيين، لا يمُر الحدث كخبر عادي، بل يحمل استشهاد كل واحدٍ منهم "طعنة مباشرة" كما وصفتها "دعاء"، مُضيفةً "ما في وقت للحزن الكامل، كل مرة بشعر إن جزء منّي انهار".
وتستذكر "دعاء" لحظات العمل والتي أصبحت في لحظة ذكرى لن تعود، "وجوههم، أصواتهم، ضحكاتنا وخوفنا" ليقطع ذكرياتها سؤال مُرعب "هل أنا التالية؟ وبذات الوقت بزيد إصراري: لازم أكمل عشاني بنت غزة وعشان الحقيقة لازم تكمل".
"لحظات لا تُنسى"..
المصور أدهم الداية، لا زال يذكر جيداً تلك اللحظات التي حمل بها الكاميرا يوثق لحظات نزوح الأهالي الأولى من مدينة غزة إلى وسط وجنوب القطاع، يصور بكاميرته أمه المتعبة ووالده المنهك، بينما يُصارع ألم استشهاد أخيه وفقدان شقيقه الآخر.
"لا أعرف ماذا أصف، عندما تُجبر أن تكون صحفياً تنقل الحقيقة، وتوضع على المحك أمام كونك إنساناً تخاف وتتعب تتأثر وتشقى"، هكذا عبَّر "الداية" عن كَم ما يُقاسيه من صراعات أثناء نقل الرسالة.
وقد ودع "الداية" عشرات الزملاء شهداءً من طاقم العمل في "قناة القدس اليوم الفضائية"، يستذكرهم وكأنهم إخوة وأبناء، كان أخرهم الزملاء الخمسة "أيمن وفادي وابراهيم ومحمد وفيصل" الذين ارتقوا في قصف غادر أمام مستشفى العودة في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة.
وعن تلك اللحظات يحدث مراسلة "وكالة سند للأنباء"، "كنا ننام سويا ولا نفترق نأكل معاً، نعمل معاً، ننقل الأحداث من مخيم النصيرات وخصوصا شمال النصيرات معاً، وسط مخاطرة بأنفسنا للوصول للحدث وتوثيق الجريمة الإسرائيلية ضد أهل قطاع غزة من المدنيين العزل".
ويستذكر "الداية" ليلة استهداف زملائه الخمسة جيداً، حين أخذ قراره برؤية ابنته شام التي أخذه الشوق إليها، لكنه لم يعلم أنها النجاة وأنها معية الله.
ويضيف: "تركت زملائي ينامون ليلاً، ليرتقوا بع ذهابي بوقت قصير، حُرقوا جميعاً واستشهدوا ولم يتبقَ سوى جثامين سوداء من غير ملامح لا يستطيع أحد توديعهم".
ولم يكن أقسى من الاشتياق على قلب "أدهم" وهو الذي ترك بيته وزوجته وطفلته 6 أشهر تحت رعب القصف والموت؛ للاستمرار في أداء المهنة، ما جعلها تجربة "صعبة جداً".
وعن مواقف لا تُنسى في ليالي الشتاء القارس وقد اجتمع الموت والتعب والجوع والعمل على أدهم"، يحدثنا قائلاً:" أذكر أن هناك اسبوعاً كان عدد الشهداء لا يقل عن 100 كل يوم في مستشفى شهداء الأقصى وحده، يُتركون في ساحة المستشفى طوال الليل كما هم من دون غطاء ولا كفن".
ويتابع:" كنت أقترب منهم ليلاً وحدي وأجلس بجانبهم وأتحدث معهم كل الأحاديث باكياً على فراقهم وأنا لا أعرفهم، ولا تربطنا أي صِلة لكن الحرب أغرقتني، كيف للحظات أن تُنهي حياة إنسان فجأة".
ويستكمل حديثه:" بقيت على هذا الحال أسبوعاً حتى أصابني شيء من الخروج من جسدي وأصبحت شيئاً لا أعرفه"، "هناك الكثير من الصراعات الداخلية، أعيش بعد كل ذلك مشاعر حزن شديدة تذهب بي لسواد كبير وعميق جداً يمنعني حتى من الحديث مع الآخرين".
انتهاكات متعمدة..
وبهذا الصدد، يقول محمد ياسين مدير منتدى الإعلاميين الفلسطينيين إن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة بحق الصحفيين تضعف قدرة الإعلام الفلسطيني على نقل روايته للعالم، لافتاً إلى أنها تؤدي إلى بيئة عمل خطرة حيث تُصنّف فلسطين ضمن أخطر أماكن ممارسة الصحافة عالمياً.
ويؤكد "ياسين" في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء" أن هذه الانتهاكات ليست حالات فردية، بل سياسة ممنهجة تهدف إلى تغييب الحقيقة والتعتيم على الجرائم المرتكبة بحق الشعب الفلسطيني.
ولعل أبرز ما يواجه الصحفيين بحسب ضيفنا، القتل والاستهداف المباشر عبر القصف أو الرصاص، ما أدى لاستشهاد العشرات منهم، كذلك الإصابات والإعاقات الدائمة التي تفقد الصحفي القدرة على مواصلة عمله.
إضافةً إلى الاعتقال والاحتجاز التعسفي داخل سجون الاحتلال، وأحياناً لفترات طويلة دون محاكمة، ومصادرة المعدات وتدمير مقرات إعلامية بهدف إسكات الصوت الفلسطيني.
وليس ذلك فحسب، بل انتهج الاحتلال الإسرائيلي سياسة التحريض الإعلامي والسياسي ضد الصحفيين ووصفهم بأوصاف تحريضية لتبرير استهدافهم، وفرض القيود على الحركة والتنقل ومنع تغطية الأحداث أو الوصول إلى مناطق العدوان.
وتحاول المؤسسات الصحفية والحقوقية في قطاع غزة تقديم الدعم النفسي للصحفيين من خلال جلسات تفريغ وتدريب على التعامل مع ضغوط الصدمات أو نشر توجيهات وإرشادات بخصوص ذلك، وفقاً لـ "ياسين".
إضافة إلى السعي لتوفير معدات السلامة المهنية والدفاع القانوني عن الصحفيين، بالحد الأدنى إجمالا جراء قسوة الظروف والعدوان الغاشم، فضلا عن منع الاحتلال دخول معدات السلامة المهنية للصحفيين.
وفي خضم هذه المعركة، يُشير "ياسين" إلى وجود تعاون مع مؤسسات دولية وصفه بـ "المحدود"؛ بسبب ضعف آليات المساءلة الدولية.
ورغم ذلك، يؤكد مدير منتدى الإعلاميين على أهمية بقاء هذا التعاون لإيصاله صوت الصحفيين الفلسطينيين للعالم، والحفاظ على قضيتهم حاضرة في المحافل الدولية.
