يشن الاحتلال الإسرائيلي حربًا هادئة على عدة جبهات في الضفة الغربية بهدف الاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من أراضيها وضمها إلى مشروعه الاستيطاني المتوسع.
وتبرز سياسة تصنيف المواقع الأثرية كواحدة من هذه الجبهات القديمة والمتجددة، التي تستغلها سلطات الاحتلال لفرض سيطرتها وتزييف الرواية التاريخية.
في العاشر من أغسطس/ آب الجاري، أصدرت ما تُسمى "الإدارة المدنية" التابعة لسلطات الاحتلال في الضفة الغربية كراسة أوامر عسكرية، تضمنت تصنيف 63 موقعًا في الضفة الغربية كمواقع "تاريخية وأثرية إسرائيلية"، منها 59 موقعًا في محافظة نابلس، و3 في محافظة رام الله، وموقع واحد في محافظة سلفيت.
وتستند سلطات الاحتلال في تصنيفها للمواقع الأثرية إلى أوامر عسكرية صدرت بعد احتلال الضفة عام 1967، معدلة قوانين أردنية سابقة تسمح للحاكم العسكري الإسرائيلي بالسيطرة الكاملة على المواقع الأثرية في الأراضي المحتلة.
وقد خضعت إدارة الآثار منذ ذلك الحين لإشراف ضابط إسرائيلي يتبع "الإدارة المدنية" والحكم العسكري.
وفي سبيل تعزيز قبضتها على المواقع الأثرية، أدخل الاحتلال تعديلات واسعة على قانون الآثار الأردني عام 1986، مكنت ضابط الآثار الإسرائيلي من صلاحيات شبه مطلقة، ما عزز سيطرة الاحتلال على الموارد الأثرية الفلسطينية وتوظيفها ضمن المشروع الاستيطاني.

مصادرة التراث الفلسطيني
يشير مختصون إلى أن تصنيف المواقع الأثرية الفلسطينية كمواقع إسرائيلية ليس مجرد إجراء إداري، بل هو جزء من سياسة ممنهجة تهدف إلى مصادرة التراث الفلسطيني وإعادة تشكيل هويته بما يخدم الرواية الإسرائيلية.
وقالت الباحثة جولييت بنورة، من معهد الدراسات التطبيقية (أريج)، إنّ "الاحتلال يستخدم ذرائع متعددة لتبرير الاستيلاء على الأراضي، منها تصنيفها كمواقع أثرية أو محميات طبيعية أو أراضي دولة، وادعاء 'المصلحة العامة'".
وأوضحت في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء"، أن غالبية المواقع التي حددها الاحتلال تقع قرب أو داخل مستوطنات إسرائيلية أو ضمن مناطق نفوذها، وهو ما يخدم الرواية الإسرائيلية حول تلك المستوطنات.
وأضافت بنورة أن الاحتلال صنف أكثر من 2400 موقع أثري فلسطيني في الضفة على أنها "إسرائيلية"، وتستخدم هذه التصنيفات للسيطرة على مساحات واسعة من الأراضي الفلسطينية تحت ذريعة الحفاظ على التراث.
وتحوّل الكثير من هذه المواقع لاحقًا إلى مستوطنات أو مواقع عسكرية أو سياحية تقتصر على الإسرائيليين، فيما يُمنع الفلسطينيون من البناء أو الاستفادة منها.
ادعاءات باطلة
أكد مدير وزارة السياحة والآثار في نابلس، ضرغام الفارس، أن مزاعم الاحتلال بيهودية هذه المواقع زائفة.
وتابع الفارس، في حديثه لـ "وكالة سند للأنباء": أنّ "الشعب الفلسطيني هو السكان الأصليون لهذه الأرض منذ العصور الحجرية، وكل الآثار على الأرض هي ملك له، بما في ذلك المعابد الوثنية، الكنائس المسيحية، المساجد الإسلامية، وحتى المعابد اليهودية".
وأضاف أن ارتباط اليهود بالأرض رابط ديني فقط، لا يمنحهم حق السيادة، بل يتيح لهم السياحة الدينية ضمن السيادة الفلسطينية، وبموجب القوانين الفلسطينية، كما هو الحال بالنسبة للمسلمين القادمين من إندونيسيا إلى مكة المكرمة.
وأشار إلى أن الاحتلال اتبع ترسيمًا تعسفيًا لهذه المواقع، شمل أراضٍ خاصة غير أثرية، والتي أصبح يُطبق عليها قانون الآثار الإسرائيلي، مما يعرض أصحابها للملاحقة القانونية في حال القيام بأعمال حفر أو تنقيب.

وأوضح أن اتفاق أوسلو يمنح السلطة الفلسطينية صلاحية الإشراف على المواقع الأثرية في مناطق "أ" و"ب"، إلا أن الاحتلال يتجاهل هذه الصلاحيات باستخدام القوة وفرض واقع السيطرة، مستمرًا في اقتحام مناطق مثل الفورة في بلدة سبسطية شمال غرب نابلس، رغم تصنيفها ضمن مناطق "ب".
تبعات خطيرة على السكان
وتعتبر المنطقة الأثرية في بلدة سبسطية واحدة من أهم المواقع التي شملها قرار التصنيف الإسرائيلي الجديد، ومنذ صدور القرار باتت البلدة تعيش أوضاعا متوترة وغير مسبوقة، وتحولت لثكنة عسكرية دائمة، كما يقول رئيس بلديتها محمد عازم.
وقال عازم لـ"وكالة سند للأنباء": "منذ صدور القرار لمسنا تزايد اقتحامات الاحتلال للبلدة، ولا يمر يوم دون تسجيل 5 اقتحامات على الأقل".
وأشار إلى أن المنطقة الأثرية لا تكاد تخلو من تواجد الجيش أو المستوطنين، لتثبيت تواجد دائم فيها، الأمر الذي أبقى سكان المنطقة في حالة توتر وخوف دائم.
وبين أن جنود الاحتلال اقتحموا البلدة مساء الثلاثاء الماضي، وانتشروا في أحيائها، وأخلوا منزلا من سكانه وحولوه لثكنة عسكرية، وقاموا بجولات متتالية في شوارع البلدة لإغلاق المحلات بالقوة.
ويخشى الأهالي من تبعات خطيرة لتهويد المنطقة الأثرية، إذ أوضح عازم أن اقتحامات الاحتلال لم تعد تقتصر على منطقة الآثار، بل تمتد لمناطق بعيدة، وتتصف بشراسة وعنف أكبر من السابق.
خرق واضح للقانون الدولي
يمثل تصنيف المواقع الفلسطينية على أنها "إسرائيلية" خرقًا واضحًا للقانون الدولي، لا سيما اتفاقية لاهاي لعام 1954 لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، واتفاقيات جنيف التي تحظر على قوات الاحتلال تغيير الطابع التاريخي والثقافي للأراضي المحتلة أو استغلاله لأغراض سياسية وعسكرية.
د. رائد أبو بدوية، أستاذ القانون والعلاقات الدولية، أكد أنه من الناحية القانونية، فإن ما قامت به "إسرائيل" لا يعد مجرد إجراء إداري، بل يدخل ضمن جرائم الحرب المرتبطة بالنهب والاستيلاء غير المشروع على الممتلكات الثقافية.
وأوضح لـ "وكالة سند للأنباء" أنه وفقًا لاتفاقيات لاهاي (1907) وجنيف الرابعة (1949)، لا يكتسب الاحتلال سيادة على الأرض المحتلة، ولا يحق له الاستيلاء على الممتلكات العامة أو الخاصة، خصوصًا الثقافية منها.
كما تنص اتفاقية لاهاي لعام 1954 على أن سلطة الاحتلال تتحمل مسؤولية حماية التراث الثقافي لصالح السكان المحليين، لا أن تستولي عليه وتُعيد كتابته.
وحول إمكانية رفع قضايا في المحاكم الدولية، أشار أبو بدوية إلى الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية في يوليو/ تموز 2024، والذي أكدت فيه أن استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية غير شرعي بموجب القانون الدولي، وأن على الدول كافة التزامًا بعدم الاعتراف أو التعاون مع هذا الوضع غير القانوني.
وأكد أن هذه الفتوى تمنح أساسًا قانونيًا كافيًا لاعتبار هذه الخطوات جزءًا من سياسة الضم غير المشروع، وتشكل خرقًا صريحًا للقانون الدولي.
وأضاف أنه منذ انضمام فلسطين إلى المحكمة الجنائية الدولية عام 2015، بات بالإمكان رفع قضايا تتعلق بالاعتداء على الممتلكات الثقافية، باعتبارها جريمة حرب.
ولا يرى ضيفنا أي فاعلية لمنظمة "اليونسكو" لوقف هذه الانتهاكات، فمنذ حصول فلسطين على العضوية الكاملة فيها عام 2011، أصدرت المنظمة الأممية قرارات مهمة بشأن القدس والخليل وبيت لحم، لكن هذه القرارات ذات طبيعة رمزية وغير ملزمة، ما جعل "إسرائيل" تواصل سياساتها دون رادع حقيقي.
