داخل خيمة صغيرة في خانيونس جنوب قطاع غزة، تجلس الحاجة سعدية الصبيحي، وقد أنهكها مرض السرطان، لكنها ما تزال تُمسك بمصحفها كما تتمسك بالأمل، تتوسط مجموعة من الفتيات لتحفيظهن القرآن الكريم، وسط أصوات القصف والخوف المستمر.
"منذ 50 عامًا وأنا أحفّظ القرآن الكريم"، تقول الحاجة سعدية، وهي تشير إلى ذاكرة طويلة من العطاء بدأت في رفح والقدس، واليوم تستكملها في خانيونس، لكن هذه المرة داخل خيمة، بعد أن دُمّرت المساجد التي كانت تعج بحلقات التحفيظ والتجويد في القطاع.
ورغم معركتها الصحية مع السرطان، ترفض الحاجة سعدية التوقف، وتقول لـ "وكالة سند للأنباء": "أتمنى أن يمدّ الله في عمري لأتمكن من تخريج أكبر عدد ممكن من حافظات كتاب الله".
في الخيمة ذاتها تجلس الطالبة بثينة سلامة، تردد آيات من القران الكريم قبل أن تتلوها أمام الحاجة سعدية غيبًا، قبل أن نسترق بعض الدقائق لتحدثنا عن مشوارها في حفظ القران الكريم وسط الحرب.
تستذكر بثينة كيف كانت تحفظ على يد الحاجة سعدية قبل الحرب في رفح، وصولًا لخيام خانيونس تحت أزيز الرصاص ودوي قنابل وصواريخ الحرب. وتقول: "الآن نحفظ القرآن داخل خيمة، في ظروف قاسية جدًا، لكننا نواجه ذلك بالإرادة والصبر".
وتضيف بثينة في حديثها لـ "وكالة سند للأنباء": "الاحتلال دمّر معظم مساجد قطاع غزة، وحوّلها إلى ركام، ومع ذلك لم يتوقف حفظ القرآن، بل انتقل إلى الخيام، إلى هذه المصليات البسيطة التي نُقيمها بين الدمار".
لكن الخطر يلاحقهن حتى في هذه الزوايا الآمنة، فكما تروي بثينة: "قبل فترة قُصفت خيمة بجوارنا، وكنّا في خطر حقيقي.. الخوف لا يفارقنا، لكننا نتمسّك بالأمل".
تختم الحاجة سعدية حديثها بأمنية واحدة: "أن تنتهي الحرب، ونعود لنعمر بيوت الله، ونكمل رسالتنا في تربية جيل حافظ رغم كل شيء".
