أبرزت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، أنه بعد ما يقرب من عامين على حرب الإبادة الإسرائيلية المستمرة على قطاع غزة، بدأت صورة دولة الاحتلال الإسرائيلي العالمية تتصدع على نحو غير مسبوق.
وقالت الصحيفة أن دولة الاحتلال التي لطالما قدّمت نفسها كحليف ثابت للغرب و"الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط"، تواجه اليوم عزلة متزايدة، ليس فقط في الرأي العام العالمي، بل حتى بين حلفائها التقليديين في أوروبا وأميركا الشمالية.
وأشارت إلى أنه بينما يزعم قادة (إسرائيل) أنهم يحققون مكاسب عسكرية في غزة ولبنان فإنهم يخسرون حرب "العقول والقلوب" في العالم.
ونقلت الصحيفة عن الخبير الاستراتيجي الأميركي هاورد وولفسون قوله: "الحرب على العقول والقلوب خُسرت بالفعل، والرأي العام يتحول بسرعة وبشكل درامي بعيدًا عن إسرائيل."
وأبرزت أن الصور اليومية لدمار غزة، الأطفال الجوعى، والآلاف من الجثث تحت الركام، أصبحت جزءًا من المشهد الرقمي العالمي. في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد ممكنًا إخفاء الجرائم أو تسويق الرواية الرسمية كما في الماضي.
تراجع الدعم الأميركي والأوروبي
المؤشرات في الولايات المتحدة لافتة: 60% من الأميركيين لا يوافقون الآن على الحرب الإسرائيلية في غزة، مقابل 32% فقط يعبّرون عن تأييدهم، بعد أن كان الدعم يتجاوز 50% عقب أحداث 7 أكتوبر 2023.
وللمرة الأولى منذ 2001، أظهر استطلاع أن التعاطف مع الفلسطينيين (37%) يتفوق على التعاطف مع دولة الاحتلال في الولايات المتحدة (36%).
أما في أوروبا، فقد وصلت معدلات تأييد (إسرائيل) إلى أدنى مستوياتها تاريخيًا. نصف البريطانيين تقريبًا يرون أن دولة الاحتلال تعامل الفلسطينيين كما عامل النازيون اليهود في الهولوكوست، فيما تتضاعف المواقف المعادية للصهيونية واليهود مع استمرار المجازر في غزة. ألمانيا – ثاني أكبر مورد للأسلحة لإسرائيل – أوقفت بعض صادراتها العسكرية، بينما تعتزم فرنسا والمملكة المتحدة وكندا وأستراليا الاعتراف الرسمي بالدولة الفلسطينية قريبًا.
ضربة الدوحة: ذروة التهور
شكل الهجوم الإسرائيلي الأخير على العاصمة القطرية الدوحة، الذي استهدف قادة من حركة حماس كانوا يناقشون مقترحًا أميركيًا لوقف إطلاق النار، نقطة فاصلة. فالعملية التي جرت في أرض حليف وثيق للولايات المتحدة، اعتُبرت إهانة للجهود الدبلوماسية وأكدت أن حكومة نتنياهو لا تهتم بمسار المفاوضات.
فالرئيس الأميركي دونالد ترامب – المعروف بدعمه التقليدي لإسرائيل – انتقد الضربة قائلاً إنها لم "تدفع المصالح الأميركية أو الإسرائيلية قدمًا". ألمانيا، بريطانيا، وكندا أصدرت إدانات واضحة، ما يعكس حجم الشرخ في شبكة الدعم التقليدية.
من داود إلى جالوت
في السابق، كانت دولة الاحتلال تقدم نفسها للعالم كـ"داود الصغير" المحاط بالأعداء الكبار. اليوم، بعد آلاف الغارات التي قتلت أكثر من 60 ألف فلسطيني وشرّدت مئات الآلاف، باتت صورتها أقرب إلى "جالوت" العملاق الذي يسحق شعبًا أعزل.
ورأت الصحيفة أن هذا التحول في الصورة العامة ينعكس في الميادين الثقافية والرياضية أيضًا: تهديد بطرد (إسرائيل) من مسابقة "يوروفيجن"، دعوات لتعليق عضويتها في الفيفا، وقطع عشرات الجامعات الأوروبية علاقاتها مع نظيراتها الإسرائيلية.
وداخل دولة الاحتلال، تبدو الحرب مختلفة. الإعلام المحلي يركّز على قضية الأسرى الإسرائيليين أكثر من عرض صور ضحايا غزة. وكثير من الإسرائيليين لا يفهمون سبب انزعاج العالم، لكن هذا الانفصال عن الرأي العام العالمي يحمل عواقب استراتيجية خطيرة.
يقول المحلل مايكل كوبلو إن "ما بعد الحرب لن يكون كما قبلها، صورة (إسرائيل) تغيّرت بشكل دائم، وسيترتب على ذلك تداعيات اقتصادية ودبلوماسية وعسكرية."
ارتباك في الأهداف والرواية
أكدت الصحيفة أن دولة الاحتلال تفتقر اليوم إلى رواية واضحة للحرب. الأهداف الرسمية – تحرير الأسرى، إنهاء حكم حماس، ضمان أمن طويل المدى – تتناقض مع تصريحات بعض وزرائها الذين يتحدثون عن "ترانسفير" للفلسطينيين أو ضم الضفة الغربية.
وتزرع هذه التناقضات الارتباك بين الحلفاء وتفقد دولة الاحتلال المصداقية. وزير الجيش السابق يوآف غالانت وصف الفلسطينيين بأنهم "حيوانات بشرية" وتعهد بقطع الماء والغذاء والكهرباء عن غزة، فيما استخدم نتنياهو لغة توراتية تحرّض على "إبادة عماليق". هذه الخطابات استخدمتها جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية لإثبات نية الإبادة الجماعية.
وفي الولايات المتحدة، بات النزاع الفلسطيني الإسرائيلي إحدى القضايا الكبرى في الحملات الانتخابية. هناك حديث عن إمكانية تقييد مبيعات الأسلحة لإسرائيل في حال فوز الديمقراطيين بالرئاسة المقبلة.
كما صعد نجم السياسي المسلم زهران ممداني في نيويورك، وهو مرشح بارز لرئاسة بلدية المدينة بفضل موقفه المناهض لإسرائيل. حتى داخل حركة ترامب، انقلبت شخصيات مؤثرة مثل تاكر كارلسون وستيف بانون ضد دولة الاحتلال.
عزلة استراتيجية
من الناحية الاستراتيجية، يرى محللون أن دولة الاحتلال قد تكون نجحت في إضعاف قدرات عسكرية لفصائل المقاومة، لكنها في المقابل خسرت الدعم الدولي.
والعزلة، بالنسبة لدولة صغيرة تعتمد على التحالفات، تعني خطرًا وجوديًا. كما قال المؤرخ إيليا هو شتيرن: "العزلة مهمة. قد تكون محقًا في أهدافك لكن ما قيمته أن تكون محقًا إذا تُركت معزولًا؟"
وختمت الصحيفة بأن دولة الاحتلال اليوم تواجه أخطر أزمة في تاريخها الحديث: عزلة دولية متصاعدة، تآكل دعم حلفائها التقليديين، وتحول في الرأي العام العالمي لمصلحة الفلسطينيين. فمن صورة "الضحية" إلى صورة "المعتدي"، ومن موقع الحليف القوي إلى الدولة المنبوذة، تتجه تل أبيب إلى مرحلة جديدة قد يكون ثمنها باهظًا سياسيًا واقتصاديًا وحتى أمنيًا.
