في جنين، المدينة التي لا تهدأ فيها رائحة البارود، ولا تزال رائحة ركام المنازل المهدمة تعبق في الهواء، يقف الشاب محمد عثمان تركمان (24 عامًا) على أطلال منزل لم يتبق منه سوى الذكرى، ورائحة الدخان العالقة بجدران الحنين.
هناك في واد برقين غربي المدينة، لم تكن عائلة تركمان تعلم أن حزنها على فقد ابنها علي شهيدًا في ديسمبر/ كانون الأول 2023، هو حزنها الأخير، ففي جنين، لا تنتهي الحكايا.
في ليلة مظلمة أخرى على العائلة، كان محمد فيها وحيدًا في البيت حين اقتحمته قوة خاصة من جيش الاحتلال. لم يكن يتوقع أن الضرب المبرح الذي تعرض له سيكون مقدمة لمحاولة إعدامه حرقًا، إذ أشعل الجنود النار في المنزل وأغلقوا الأبواب عليه، وتركوه لمصيره.

قبل شهور فقط، كان محمد يعيش في بيت دفع ثمنه والده على مدار 15 عامًا، واليوم لم يعد له مأوى، بعد أن هدمه الاحتلال، ثم أحرقه، وكاد أن يحرق معه قلب أمّه مرة أخرى بعد استشهاد شقيقه الأصغر. قبل عامين.
اقتحامٌ مفاجئ واعتداءٌ وحشي..
في 13 سبتمبر/ أيلول الجاري، وفي تمام الساعة العاشرة ليلًا، اقتحم نحو 15 جنديًا من جيش الاحتلال الإسرائيلي المنزل الذي كان فيه محمد بمفرده.
يقول محمد لـ "وكالة سند للأنباء": "فوجئت بالجنود يقتحمون المكان، لم أتمكن حتى من الحديث معهم. تناوبوا على ضربي بطريقة وحشية، على رأسي وجسدي، بأعقاب البنادق والأيدي والأرجل. حاولت أن أفهم السبب، لكنهم لم يتحدثوا، فقط انهالوا عليّ بعنف."
وبعد حوالي نصف ساعة من الضرب المبرح، ترك الجنود محمد ملقى على الأرض. لم يكتفوا بذلك، بل قاموا بإشعال النار في المنزل وأغلقوا الباب عليه بالمفتاح، في مشهد أقرب إلى محاولة إعدام.

تقول والدته، أم محمد، والدمعة تخنق صوتها: "محمد متعلق جدًا ببيتنا، لا يستطيع تركه. عندما عاد إلى المنزل، لم نكن نعلم أن الجنود بداخله. ضربوه حتى فقد الوعي تقريبًا، ثم أشعلوا النار وأقفلوا الباب عليه. لو أنه اختنق وسقط، لا سمح الله، لما نجا."
بصعوبة بالغة، وسط الدخان المتصاعد والنيران التي طالت أسلاك الكهرباء، تمكن محمد من الخروج نحو باب خلفي والخروج من بين ألسنة النار، وهو يختنق من كثافة الدخان. تقول والدته: "خرج بأعجوبة… الحمد لله أنه خرج حيًا. لو تأخر قليلاً، كانت النيران التهمته."

من النزوح إلى المجهول..
لم تكن هذه الحادثة هي الأولى في سلسلة المعاناة التي تعيشها العائلة، فقد سبق أن هدمت قوات الاحتلال منزل العائلة في شهر فبراير/ شباط الماضي، بينما كان أفراد الأسرة بداخله، خلال العدوان الإسرائيلي الواسع الذي شهدته جنين.
وعن ذلك تحدثنا "أم محمد": "هدموا البيت ونحن بداخله، وجرفوا صورة ابني الشهيد علي، وهدموا أجزاء منه، واليوم عادوا وحرقوه".
لم يكن منزل عائلة تركمان عبارة عن جدران فقط ومأوى فقط، لكنه "تعب عمر" سدّد رب العائلة ثمنه بعرق جبينه على مدار 15 عامًا، براتبه الذي لا يتجاوز 2000 شيكل، وتروي لنا "أم محمد": "البيت دفعنا ثمنه بنص راتب زوجي على مدار 15 سنة، وبعد سنة واحدة فقط من انتهاء الدفعات، تم هدمه جزء منه وبعدها حرقه."
اليوم، تعيش العائلة في منزل مستأجر، لا تعرف إلى أين ستذهب حين يعود صاحبه. يقول محمد: "أنا حاليًا دون عمل، البطالة خانقة، ولا نجد فرصة للعمل هنا، ولا نعرف إلى أين نذهب بعد أن حرق منزلنا، الأوضاع صعبة على الجميع هنا".
همٌّ يتسع للجميع..
ورغم كل الألم، لم تغفل أم محمد عن وجع أكبر:" "رغم ما حصل مع ابني، إلا أنني أقول: ربنا يعين أهل غزة. ما يحدث هناك أبشع، قتل ومجازر يومية. عندما ننظر إلى حالهم، يهون علينا حالنا. ربنا يفرّجها عليهم."
وفي 21 يناير/ كانون الثاني الماضي، بدأ جيش الاحتلال الإسرائيلي عملية عسكرية شمال الضفة، انطلقت بمدينة جنين ومخيمها، ثم توسعت لاحقا إلى مخيمي طولكرم ونور شمس.
وأدى العدوان الإسرائيلي في جنين إلى نزوح قسري متواصل لـ 22 ألف مواطن من المخيم ومحيطه، إضافة إلى نزوح 25% من سكان المدينة، بحسب معطيات لدائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية.
وهدمت قوات الاحتلال "أكثر من 650 بناية، إضافة لتجريف مئات الوحدات السكنية، ما أدى إلى انهيار شبه كامل في البنية التحتية.
وذكرت دائرة شؤون اللاجئين إلى "تدمير ما يقارب 70 بالمئة من مخيم جنين خلال العدوان الإسرائيلي.
واستخدمت خلال عملية التدمير الجرافات والمجنزرات والطائرات المسيّرة، وهدمت البنية التحتية بالكامل بما في ذلك شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي، وسوت عشرات المنازل بالأرض على مرأى العالم، ما أدى إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة في المخيم.
وكان رئيس بلدية جنين السابق نضال العبيدي، قد أشار في تصريح سابق لـ "وكالة سند للأنباء"، أن الاحتلال شطَب ثلث المخيم بالكامل، وأعلن بشكل واضح وصريح رفضه عودة أي شخص إلى تلك المنطقة.
وأضاف العبيدي أن "الاحتلال لا يكتفي بمنع الأهالي من العودة، بل يهدد بهدم أي منزل يُبنى مجدداً في الجزء الذي دمّره، في محاولة لفرض واقع جديد على الأرض".
وأشار إلى أن أكثر من ثلث سكان المخيم، الذين كان عددهم قبل العدوان نحو 19 ألف نسمة، سيُحرمون من العودة إلى بيوتهم وأحيائهم التي عاشوا فيها أجيالاً متعاقبة.
