موسم كان يُشكل لنا يوماً ما رمزاً للدفئ والحب، لكنه أصبح ناقوس خطر يُدَق بداخلنا كلما اقترب المطر، فبينما يطرق فصل الشتاء الأبواب، تشتد مخاوف النازحين في مختلف محافظات قطاع غزة من كارثة وشيكة في ظل اهتراء الخيام، وعيش المئات في العراء.
وفي ظل التصعيد المستمر للإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة، يُجبر جيش الاحتلال سكان مدينة غزة على النزوح قسراً من أماكن تواجدهم، ما يهدد بكارثة وشيكة في ظل انعدام المأوى باقتراب فصل الشتاء.
أما النازحون منذ عامين، فيؤرق موسم الأمطار "الثالث" مضجعهم وقد اهترأت خيامهم وتهالكت من حرارة الصيف وبرد الشتاء والقصف المستمر، ما يثير تساؤلاً لديهم:" كيف سنتدبر أمورنا وكيف سنعيش تحت الأمطار القادمة"؟
"أول شتاء في خيمة"..
السيدة إسلام محمود أبو غبن (33 عاماً) نازحة من مدينة غزة إلى دير البلح وسط القطاع، تعيل أسرتها المكونة من 5 أفراد بأقل الإمكانيات.
تقول "أبو غبن" في حديث لـ"وكالة سند للأنباء"، إن هذا النزوح الأول لها في خيمة منذ بدء حرب الإبادة، سبقها أكثر من 4 مرات نزوح لأماكن متفرقة في مدينة غزة ومحيطها جراء القصف المستمر.
وتصف "أبو غبن" حياة الخيام بـ"العصيبة" بينما تُبدي مخاوف جمة من اقتراب موسم الأمطار، وبقلق يُخيم على حديثها تقول: "التفكير أهلكني من قرب الأمطار سأغرق أنا وأولادي والخيمة"، خاصة أن خيمتها عبارة عن مجموعة من الأغطية والقماش، الذي سرعان ما يبتل بتساقط الأمطار عليه.
وتزيد: "حتى الآن كل تفكيرنا ينصب في أزمة الشتاء القادمة"، متسائلة:" الخيام مكتظة، لا مجال لتصريف مياه الأمطار، كذلك مياه الصرف الصحي، وانتقال عدوى الأمراض للأطفال، كيف سيكون الحال؟ وماذا عن الخيام المهترئة"؟
ولا يختلف حال سهى منصور (30 عاماً) عن سابقتها، وبينما يمر فصل الشتاء الثالث عليها، إلا أن الخوف في كلم مرة هو سيد الموقف.
وتُشارك مع مراسلتنا بعضاً من أرقها الذي يزداد باقتراب فصل الشتاء بعد أن أتى قصف إسرائيلي على خيمتها المجاورة لبيت تم استهدافه.
تقول إن خيمتها تضررت بشكل كبير بعد الاستهداف الذي أدى إلى تكسُّر الخشب وتمزق الشوادر والأغطية، ما جعلها تصارع رعب قدوم الشتاء مع أطفالها الخمسة.
وتضيف لمراسلتنا، أنها أنجبت خلال الأشهر الماضية، ما جعلها تفتقر كذلك إلى ملابس الشتاء لطفلتها المولودة.
مبيت في العراء..
أما السيدة نرمين "منصور"، فتفترش الأرض وتلتحف السماء دون خيمة تقيها من حر الصيف أو برد الشتاء، وقد نزحت آنفاً من مدينة غزة دون أي مقوم يسمح لها بالعيش، آملةً أن تنجو بحياتها وحياة صغارها.
وبدموع أغرقت عينيها تعبر لـ"وكالة سند للأنباء" عن قلقها من قدوم الشتاء دون امتلاكها خيمة "تحميها" أو أغطية تكفيها، أو حتى ما يسد عنها عورة الطريق.
وتقول إن أطفالها سرعان ما يُصابوا بنزلات البرد، واصفة هذا الفصل بـ"فصل الأمراض على أطفالي"، في حين يفتقر القطاع الصحي إلى الأدوية في ظل الإغلاق المتواصل لمعابر القطاع وتعنت الاحتلال بإدخال الأدوية والمستلزمات الطبية.
وفي سياق متصل، يُبدي "أبو محمد" مدير مخيم البخاري2 في دير البلح قلقه من قدوم فصل الشتاء على النازحين في المخم والذي يضم 6 خيمة على مساحة تقارب 3 دونمات بشكل مكدس.
ويوضح أن النازحين يدخلون في موسم الأمطار الثالث خلال فترة حرب الإبادة على قطاع غزة، دون أدنى مقومات العيش ولا تجديد للخيام المهترئة، مبيناً أن كل خيمة بحاجة إلى خيمة فوقها علَّها تقيها من مياه الأمطار.
ويُضيف، نحن الآن نعمل بحالة طارئة في ظل تكدس النازحين ومحاولة تأمين أماكن نزوح، آملاً أن يتم تدارك هذه المعضلة بتوفير شوادر وخيام، خاصة أن المخيم تعرض لقصف "غير مباشر"، تسبب بأضرار في جميع الخيام.
ويشير إلى أن مستلزمات بناء الخيمة شحيحة، وإن توفرت فبأسعارها مرتفعة ومهولة، لافتاً إلى أن "النازحين أنفقوا كل ما يملكون خلال مرحلة النزوح، في ظل غياب السيولة النقدية، والأسعار الباهظة".
بيئة كارثية.. وناقوس خطر يدق
بدوره؛ يقول رئيس بلدية دير البلح نزار عياش؛ إنّ أوضاع النازحين في مناطق محافظة الوسطى؛ تحديدا مدينة دير البلح "كارثية"؛ خاصة مع عدم وجود خيام تؤوي النازحين؛ وعدم توفر بنية تحتية موائمة؛ تتناسب مع أعدادهم.
ويذكر لـ"وكالة سند للأنباء" أن الخدمات تركز على 120 ألف نسمة؛ لكن عمليات النزوح المتكررة؛ فاقمت الخدمات لتقدم لأكثر من 500 ألفاً؛ ما تشكل عبئا كبيرا على البنية غير المؤهلة للتعامل مع هذا العدد الكبير من النازحين.
ويُبين أن الآبار الرئيسية لا يمكن تشغيلها مع محدودية الكميات الواردة من الوقود؛ مشكلةً عبئا وعجزا؛ إضافة عن التلوث البيئي الكبير الناتج عن انتشار النفايات بالقرب من تجمعات المواطنين؛ نتيجة منع الاحتلال توريدها نحو صوفا.
ويلفت "عياش" النظر إلى أنّ عدم توفر الخيام والأفرشة؛ تجعل المواطنين عرضة لخطر شديد؛ لا سيما أيضا أمام تدفق مصارف الصرف الصحي في الطرقات؛ وهي معضلة أخرى تعمل البلدية لحلها بشكل دائم.
ويُحذر من أن فصلي الخريف والشتاء يشكلان تهديدا رئيسيا لعشرات الآلاف من المواطنين الذين اضطروا لنصب خيامهم بمواجهة شاطئ البحر؛ نظرا لعدم وجود مساحات فارغة في المدينة.
ويؤكد أن "هذا يشكل تهديدا مرجئا؛ لكنّ في لحظة ما سينفجر في وجه الأطفال والنساء والعوائل التي لا تجد مكانا في الأساس يتسع لوجودها".
ويكمل عياش: "نتحدث عن 100 ألف خيمة في الأساس هي مهترئة علاوة عن حاجة النازحين الجدد لـ100 ألف أخرى؛ وهي أرقام مرعبة في سياق احتياج النازحين؛ وما تحتاجه أيضا من خدمات مرفقة غير متوفرة".
وفي ضوء ما سبق يصف رئيس بلدية دير البلح؛ الأوضاع الإنسانية بالكارثية؛ حيث "سنشهد فصلا موبوءاً نتيجة التلاصق والازدحام الكبير بين الناس؛ وما يحمله فصل الشتاء عادة من أمراض موسمية.
إضافة إلى كوارث بيئية متحققة في ظل تفشي النفايات؛ ناهيك عن أجواءٍ كارثية في ظل انعدام الخيام.
وعلاوة عما سبق؛ يحذر من أن الاستهداف المباشر لمقرات البلدية ومقدراتها أضعف من إمكانية مساهماتها في تعزيز صمود المواطنين؛ "نعمل بكل جهد وبما يتسنى ويتوفر لنا؛ لكنّ هذا يحتاج لتعزيز دور البلدية وخدماتها".
ويناشد "عياش" المجتمع الدولي بضرورة التحرك الفوري والعاجل؛ من أجل تقديم الخدمات للنازحين؛ وحمايتهم؛ والضغط لوقف حرب الإبادة التي تهدد شعبنا بتهجيره عن أرضه".
