بعدسته الذهبية كان يوثق براءة الأطفال الرضع، ليصنع صورة تُنقش في الذاكرة وفرحة تُرسم على وجوه الآباء، لم يكن المصور الشهيد يحيى برزق حاملاً للكاميرا فحسب، بل صانعاً للبهجة وموثِّقاً للحظات لا تتكرر.
ومساء أمس الثلاثاء، اغتالت طائرات الاحتلال الحربية صديق الأطفال ومصورهم الصحفي يحيى برزق في مدينة دير البلح وسط قطاع غزة بعد نزوحه إليها مؤخراً، ليلحقهم شهيداً رفقة 6 شهداء آخرين في مجزرة مروعة.
وذاع صيت الشهيد "برزق" في قطاع غزة قبل حرب الإبادة، فهو المصور الوحيد الذي يُعنى بتصوير الأطفال الرضع حديثي الولادة، حيث بدأ مشروعه في عام 2018 بأستوديو يضم كل جمال وبراءة.
وخلال حرب الإبادة على قطاع غزة التحق يحيى برزق للعمل في قناة TRT التركية كمصور مستقل، يوثق إجرام الاحتلال بحق أهالي قطاع غزة.
وكان قد كتب سابقاً على حسابه في "انستغرام": "عدنا من النزوح الأول، وعادت إلينا طاقتنا وشغفنا، رجعت إلى الأستديو الذي أصبح بيتي الأول بعد أن دُمّر منزلي، وبدأنا بتجهيز كل شيء لنستأنف عملنا من جديد، لكن ما إن تنفّسنا الصعداء حتى عادت الحرب مرة أخرى، وبشكل أعنف من قبل، اليوم نُجبر على ترك الاستديو والنزوح مجددًا من مدينة غزة، لأعلن بذلك انتهاء حكاية “استديو يحيى برزق”، الاستديو الأول والوحيد في قطاع غزة المتخصص في تصوير الأطفال حديثي الولادة".
والتقط "برزق" لحظات الأطفال الأولى، الهادئة والبريئة طيلة سنوات، وسرعان ما أتت الحرب على كل جميل، ليبدأ مشوار الفقد، حيث تحولت صفحته على انستغرام من مسرح للجمال إلى ساحة للنعي.
وتدفقت منشوراته واحداً تلو الأخر، يطوي معها حَكايا أطفال رضع كان قد التقط لهم ذكرى وثق لهم أجمل اللحظات، ليلتحق بهم شهيداً وينعاه الناس بنفس الطريقة.
وفي آخر قصة على صفحته في إنستغرام نشر برزق صورة لنافذة صنعها من قطعة خشب، تلاها بفيديو آخر لنافذته قبل النزوح.
وأثار خبر استشهاد "برزق" حالة من الحزن التي خيمت على محبيه في قطاع غزة وخارجها، بينما نعته دائرة الاتصال في الرئاسة التركية.
وخلال متابعته "وثقت "وكالة سند للأنباء" ردود فعل أهالي قطاع غزة، بعد تلقيهم نبأ استشهاد المصور "برزق".
السيدة ميران عوض صحفية نعت المصور "برزق" الذي وثق لحظات طفلتها الأولى، قبل أن تستشهد ويلحقها المصور شهيداً كذلك.
وكتبت "عوض" على صفحتها في فيسبوك "بأي ذنب يعدم الشاهد على جريمة طفلتي، ابنتي التحقت بصورتها قبل ستة أشهر، واليوم مصورها التحق بها بعدسته التي حملت كل براءتها هذا قهر مُتعمَّد، لقتل الروح والذاكرة معاً".
ونعى الصحفي عبد الله العطار المصور "برزق": " المصور يحيى برزق لم يكن مجرد حاملاً لكاميرا، بل كان صانع لحظات لا تتكرر، يوثق أول ابتسامة وأول نظرة في حياة الأطفال حديثي الولادة، ليخلّد فرحة عائلاتهم وسط كل هذا الألم، برحيله لا تفقد غزة مصورًا فحسب، بل تفقد عينًا كانت ترى الجمال رغم الخراب، وروحًا كانت تبحث عن الأمل في أصغر التفاصيل".
ونعى رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة التركية برهان الدين دوران، المصور "برزق"، "الذي غطّى الإبادة الجماعية الإسرائيلية في غزة لقناة TRT، في غارة جوية شنّها مرتكبو الإبادة الجماعية".
وقال دوران إن "يحيى، الذي شهدنا قصته في الفيلم الوثائقي "غزة باقية في صوري"، الذي أنتجته TRT World، أصبح محفوراً في ذاكرتنا صوتاً شجاعاً يسعى وراء الحقيقة في ظل الاحتلال والقمع".
وأضاف: "هذا الهيكل المتوحش، الذي يضيف جرائم حرب جديدة إلى قائمته كل يوم، سيُدان ليس فقط في ضمير الإنسانية، بل بموجب القانون الدولي أيضاً".
من جانبه، نعى المدير العام لشبكة TRT زاهد صوباجي، "برزق"، في تغريدة على حسابه في منصة إكس، وقال: "نحن في غاية الحزن، فقد استُشهد أخونا يحيى برزق، الصحفي والمصور المستقل المتعاون مع TRT في غزة، في اعتداءات الكيان الصهيوني، ونسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته".
